الوسطية لا تأتي إلا بخير

الخميس 2014/01/23

سنين عشناها في رحاب صحوة قوية، حتى ظننا أنه لا مثيل لنا وأننا من الاتقياء الصالحين وثلة من الآخرين الذين سيدخلون الجنة لا محالة، وأن الدين الحقيقي فقط في بلادنا دون البلاد الإسلامية الأخرى، وأن اﻷمم قد تركت مشاكلها، وتركت كل الكون، وتعمل ليل نهار ليس لتطوير العالم بل لتركز كل قواها وأموالها على شبه الجزيرة العربية لتتآمر علينا فردا فردا، حسدا من النعيم والراحة التي نعيش فيها، حتى يتراجع من تسول له نفسه أن يلتفت إليهم وأن يتطبع بطباعهم، حتى كدنا لا نعرف أن هناك حياة في الجهة المقابلة من الكرة الأرضية، وكان الخطاب السائد، هو أن نزهد في الدنيا، وننتظر الموت الذي تخطانا ليذهب لغيرنا وسيأتي يوم ليعود إلينا، ويجب علينا فقط أن نعمل جاهدين لما بعد الموت لنعيش الحياة السعيدة الحقيقية الآخروية، متناسين أن الله أمرنا أن لا ننس نصيبنا من الدنيا، كنا نتوقع أن الصحوة لن تزول آثارها بسهولة، لكن لم تستطع الصمود أمام قوة الانفتاح، والتقارب بين العالم، فانفتح ردم صغير من الجدار مع انتشار الفضائيات، واتسعت فتحة الجدار أكثر، مع ظهور الإنترنت، والناس تتطلع أكثر، حتى يخيل لنا أننا لا نعرف كيف نلتفت وننظر إلى الوراء وأننا نمشي في طريق لا عودة فيه، والجدار يقصر بحيث يصعب بناؤه من جديد، والناس تغيرت، فبينما كنا لا نستطيع الحديث مع الآخرين إلا من خلال التلفون الثابت المشبوك بسلك على الجدار وفي الصالة العائلية، أصبح بالإمكان الاتصال بشخص بقارة أخرى بسهولة مجانا وبالصوت والصورة ونحن في غرفة النوم، وبينما كان شيوخنا معتمدين عندنا ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله وكانوا مرجعنا الوحيد إذا اختلفنا مع الدعاة المتنقلين، تحول مصدرنا للدين إلى تويتر واليوتيوب والمواقع الإلكترونية، حتى أصبح تويتر منبرا لكل ناعق ولكل من أراد الظهور، وبينما كنا لا نعرف عن أحبابنا وأصدقائنا ومعارفنا طريقة حياتهم واجتماعاتهم الخاصة والعامة، ونتوق لمعرفتها، ظهر الانستغرام فكشف لنا الكثير من الازدواجية والتغير السريع بعادات وتقاليد الناس، فما كان عيبا أن يظهر للآخرين، أصبحوا حاليا يتفاخرون بإظهاره، والتنافس بنشر أغرب المواقف واللحظات، فأصبحت الأغلبية تصور كل لحظة، حتى ليعتقد المتابع لهم أنه نجح في الدخول إلى بيوتهم ومعرفة أسرارهم ومناسباتهم دون أن يعرف أحد أنه دخل دون استئذان، وبسرية تامة، بل توجد من تضع صورا لجسمها مع لبس النقاب أو اللثام تحت شعار صورني لكن لا تعرفني، مما يجعلنا نظن أن الصحوة بالغت فينا إلى درجة الانفلات عند أول فرصة.

إن الدعاة الأفاضل الذين نشروا الصحوة في الناس ليسوا هيئة كبار العلماء، أو بن باز وابن عثيمين، فهؤلاء عباد زهاد لم يضروا أحدا، ولم يكن خطابهم قاسيا شديدا، متمسكين ببساطة الأولين، لكن دعاة وخطباء مسكوا المنبر ونصحو الناس بكل مكان وخلال تجمعاتهم، تجد من نصب نفسه ليتكلم وينصح، دون قاعدة دينية يتكئ عليها ماعدا تحذير الناس بلسان شديد، وقصص خرافية ومعجزات بشهادة ثقات، وأني لكم من الناصحين، وحرموا الكثير من الأشياء التي كان يقوم بها الأولون بتلقائية، لم يخطر ببالهم أنه سيأتي يوم وتتنوع مصادر المعرفة، وغاب عن بالهم أن التشدد بالفضيلة لحد التنطع لا يأتي بخير، وأن ما كان يفعله آباؤنا وأجدادنا من البساطة وعدم التشدد في التربية، وطهارة القلوب، حتى أنه تسكن عدة عوائل من الأبناء مع زوجاتهم وأبنائهم ببيوت الآباء، دون التخوف من بعض أو الشك، والدخول في النوايا، كان أفضل من أية صحوة، لو كنا اتبعنا أثرهم لدخلنا مع العالم بترو ودون انفلات..

21