الوسيلة أعدمت الغاية

عزيزي المُخرج والمُؤلّف والمُمثل والمُنتج.. إن كل ما تقدّم من نقد لا يفسد للدراما مشهدية، فالأساس هو الجمالية الفنية التي نودّ إرساءها في عالمنا العربي.
السبت 2020/05/09
أخطاء كثيرة

طالعتنا دراما رمضان تونس 2020 بمفاجآت غير مسبوقة في تاريخ المشهد السمعي البصري بالبلد، على قصر مدّته وموسميّته التي اقتصرت منذ إنشاء أول قناة تلفزيونية وطنية تونسية في 31 مايو من العام 1966، والمسماة اختصارا “إ.ت.ت” (الإذاعة والتلفزة التونسية) على رمضان فقط لا غيره ودون سواه، وإن تعدّدت القنوات الخاصة بعدها، إثر ثورة 14 يناير 2011، لكن دار الدراما التونسية بقيت على حالها!

مسلسلات وسيتكومات تأتي دفعة واحدة على امتداد شهر ذروة المشاهدة التلفزيونية، وما يتبعها من منافسة شرسة على المُعلنين والداعمين، ثم الصوم بقية أشهر العام.

رمضان الحالي أتانا بالعجب العُجاب، أربعة مسلسلات من جملة خمسة وهي كل ما بثّته القنوات التونسية العمومية منها والخاصة، كان فيها المُخرج هو أيضا المُمثل والسيناريست والمُنتج أو المُساهم في الإنتاج، وهي “قلب الذيب” و”العميل 86”، و”نوبة 2” (عشاق الدنيا)، وخاصة مسلسل “27” الذي بثّته “الوطنية 1”.

مُسلسل يحكي عن بطولات الجيش الوطني التونسي والمؤسسة العسكرية في تصديها للإرهاب والتهريب. مُسلسل أتى بإجماع كلّ النقّاد ضعيفا على مستوى الكتابة الدرامية والإخراج والتشخيص، إلاّ لماما، وربما الحسنة الوحيدة التي تُحسب لمُخرجه ومُمثله وكاتبه وأيضا مُنتجه تلك المتمثّلة في مُغامرته بإنتاج عمل درامي ينتصر لشهداء الوطن من حاملي السلاح.

إنتاج أتى مدعوما من بنك وطني وبمُباركة من وزارة الدفاع التونسية التي وضعت كل إمكانياتها اللوجيستية والحربية لطاقم العمل، لكن الوسيلة (وسائل طاقم العمل) أعدمت الغاية والهدف من هكذا مسلسل، عبر صور شاحبة وكليشيهات حوارية باهتة وكاستينغ عشوائي كيفما اتفق.

والغريب العجيب في كل ما تقدّم أن المخرج والمنتج وكاتب السيناريو والممثل أيضا، لم يكتف بكل هذه الأدوار مُجتمعة، بل أضاف عليها دورا آخر، هو دور الحكواتي، وذلك من خلال ثرثرته الفايسبوكية المُنتقدة لكل من ينتقد مُنتجه الدرامي.

فبات كل ناقد للمسلسل إما زلما أو فاسدا أو عميلا؟ تدوينات تدعو إلى التفرقة بين التونسيين والتونسيات، بمنطق من لم يكن معنا فهو ضدنا. والحال أن الفن جامع وجمّاع وإن اختلفت تقييماتنا حوله سواء له أو عليه.

فرجاء، كل الرجاء، سيّدي المُخرج والمُؤلّف والمُمثل والمُنتج والحكواتي دع العمل يحكيك، لا أن تحكي أنت عنه، فحقّ التعبير مكفول في دستور تونس الجمهورية الثانية، وأنت المُنتصر في عملك لأول حام للأرض والعرض، فحقّ لنا بعد العرض أن نطلق لألسنتنا وأقلامنا ولوح مفاتحينا أيضا عنان التفكّر والتفكير بعيدا عن منطق التكفير، طبعا.

عزيزي المُخرج والمُؤلّف والمُمثل والمُنتج.. إن كل ما تقدّم من نقد لا يفسد للدراما مشهدية، فالأساس هو الجمالية الفنية التي نودّ إرساءها في عالمنا العربي، خاصة وأن هذا الفن بات مُتاحا في كل بيت. وعليه علينا جميعا؛ باث ومتلقّ وناقد، أن نقبل شروط اللعبة التي أساسها: إن لم نتمكّن من إنتاج مسلسل جيد، فعلينا السعي إلى إنتاج متفرّج جيد.

بقيت ملاحظة أخيرة أسوقها بكلّ حب وودّ لكل ناقد مُنتقد لعمل درامي مهما علا شأنه أو هوى إلى حضيض، فهو من الناس وإليهم، يدخل بيوتهم دون استئذان فإما يجمعهم أو يفرّقهم. وعليه فالبون شاسع بين النقد والتنمّر!

24