"الوسيلة هي الرسالة": العالم في مهب وسائل التواصل الاجتماعي

منذ ظهورها سنة 1969، غيّرت الإنترنت مظاهر الحياة في الكثير من جوانبها، وحوّلت هذا العالم الكبير متنامي الأطراف إلى قرية رقمية صغيرة، لكن رغم ما حققته الإنترنت من منافع جمة للبشرية إلا أنها جلبت معها أيضا المشاكل، ولم تعد فكرة العالم قرية صغيرة محل إثارة كبيرة في خضم صخب وسائل التواصل الاجتماعي والاكتظاظ الحاصل في نطاقات الشبكة العنكبوتية وتعدد منصاتها، ففي جميع أنحاء العالم يستخدم المليارات من الناس وسائل التواصل الاجتماعي كل يوم، وهذا الرقم يزداد باستمرار، وتم تقدير أنه بحلول عام 2018 سوف يستخدم حوالي 2.44 مليار شخص وسائل التواصل الاجتماعي.
السبت 2017/04/22
المنابر متنوعة والرسالة واحدة

واشنطن - حاز الباحث الكندي مرشال ماكلوهان (1911-1980) في الستينات من القرن العشرين على شهرة واسعة بفضل عبارته البسيطة التي يقول فيها “الوسيلة هي الرسالة”. وتحولت هذه العبارة إلى إحدى أشهر النظريات الحديثة في مجال وسائل الاتصال والتواصل ودورها في المجتمعات.

يقول ماكلوهان إنه باندماج التلفزيون والكمبيوترات وقواعد البيانات تكتسب تكنولوجيات التواصل معنى في حد ذاتها يتعدى مجرد محتوى المعلومة التي توصلها إلى الزبائن. ويضيف أن “الوسيلة -وليس المحتوى الذي تقدمه- هي التي تؤثر في المجتمع وتلعب دورا ليس فقط بواسطة المحتوى الذي تقدمه ولكن أيضا بخصائص الوسيلة نفسها”.

كانت هذه النظرية الخطوة الأولى لبناء ما أطلق عليه ماكلوهان بعد تطورها اسم “القرية العالمية”، في توصيف لما أضحى عليه العالم بفضل التكنولوجيات القادرة على ربط الناس بشكل حيني في كافة أنحاء المعمورة، محطمة بذلك الحواجز المادية للوقت والمكان.

رامش سرينيفاسن: العالم توقع بسذاجة أن تقوم عولمة التكنولوجيا بتعزيز القيم الليبرالية

لكن بأشكال عديدة، ما يختبره مستعملو وسائل الإعلام المعاصر على شبكة الإنترنت اليوم بعيد كل البعد عن العيش في قرية عالمية متجانسة، بل تتداخل الأوضاع، وما كان وسيلة للترفيه والتواصل أضحى أيضا وسيلة للابتزاز والإرهاب وتهديدا للذاكرة الجماعية.

لم تعد فكرة القرية العالمية والحدود المفتوحة اليوم تستهوي الكثيرين، سواء في العالم الواقعي أو الافتراضي. وكان رد البعض من الرافضين للعولمة الحد من أنشطتهم لتقتصر على دوائر مماثلة في التفكير على الشبكة، وفي بعض الأحيان الانسحاب من العالم الرقمي ونزعوا إلى مسار الشعبوية والقومية الانعزالية في العالم المادي.

وترصد دراستان نشرتا في وقت متزامن، واحدة نشرها مركز سترافور للأبحاث الأمنية والاستراتيجية الأميركي، والثانية صدرت عن مجلة نيتشر العملية مظاهر هذه التحولات من خلال مشهدين يبدوان في الظاهر متباعدان لكنهما يجتمعان في التأثر بالتطور الحاصل في نظرية ماكلوهان وإلى حدود تمتد القرية العالمية.

يعتمد محلل الشؤون العالمية في معهد ستفرافور لوك دي كايسر تطورات هذه النظرية انطلاقا من كتاب صدر حديثا للباحث رامش سرينيفاسن المتخصص في مجال العلاقات بين التكنولوجيا والسياسة والمجتمع بعنوان “القرية العالمية لمن؟: إعادة التفكير في كيفية تشكيل التكنولوجيا لعالمنا”. فيما تركز دراسة مجلة نيتشر، التي أعدّتها لورا سبيني، على تأثير هذه النظرية في الذاكرة الجماعية للعالم انطلاقا من الإجابة على تساؤل: كيف يساهم فيسبوك وتويتر وإنستغرام والأخبار الزائفة وأصدقاء العالم الافتراضي في تحريف الذاكرة وتغيير التاريخ.

العراك على الهوامش

على مدى أكثر من عقد من الزمن سعى سرينيفاسن إلى متابعة التجارب الاجتماعية في مختلف أنحاء العالم. فمن قبيلة الزوني، سكان أميركا الأصليين وجماعة زاباتيستا في جنوب المكسيك ومزارعي الكوكا في بوليفيا إلى النشطاء في قرغيزستان ومصر، دوّن سرينيفاسن تأثيرات الإعلام على هذه المجتمعات وكيف تفاعلت مع ثورة العالم الرقمي وإلى أي مدى أثرت فيها نظرية “الوسيلة هي الرسالة”.

وفي مثال قبيلة الزوني يتوق أفراد هذه القبيلة إلى عودة آثار أسلافهم الموزعة على المتاحف في كافة أرجاء العالم. ونظرا لصعوبة عودة هذه الأشياء إلى موطنها الأصلي رأى البعض أن الحل الأفضل يتمثل في إنشاء مكتبة افتراضية من الصور الفوتوغرافية عالية الجودة التي تمكن مشاهدتها من أي مكان عبر ربطها بالشبكة. لكن شيوخ القبلية يقولون إن المتحف الافتراضي لا يلبي شعور الزوني بملكية هذه التحف؛ إضافة إلى ذلك فإن المُشاهد الرقمي يفتقد إلى شعور بالانتماء، وهو شعور ضروري جدا للتمتع حقا بالأشياء.

أحداث متسارعة مع أخبار زائفة

وفي رصد المجتمعات الحديثة، يشير سرينيفاسن إلى أن العالم المتقدم توقع بسذاجة أن تقوم عولمة التكنولوجيا آليا بتعزيز القيم الليبرالية والديمقراطية العزيزة عليه. وحتى هذه الأيام، يتعهد المؤسسون لشركات التكنولوجيا العملاقة مثل غوغل وفيسبوك بجلب العصر الرقمي إلى “آخر مليار على الأرض” عن طريق سرب من البالونات في الجو وأساطيل من الطيارات دون طيار عالية الارتفاع.

لكن حتى وإن تمكّنت المجتمعات النائية من النفاذ إلى الإنترنت تقنيا، فإن الاقتصاد والبنية التحتية على المستوى المحلي كثيرا ما يعرقلان توزيع الأدوات وخدمات الكهرباء والإنترنت التي يعتمد عليها التواصل الرقمي. وفي الواقع فإن توفير هيكل شبكي يمكن أن يزيد في التفاوت القائم بما أن الأقلية الثرية عادة ما تكون لديها فرص أكثر للانتفاع من هذه “الرفاهية” التكنولوجية.

الربيع العربي مثال آخر واضح على دور وسائل التواصل الاجتماعي في تطوّر الأحداث. عادة ما يدعي الخبراء أن الاستخدام الفطن من قبل النشطاء السياسيين للإعلام الاجتماعي مكّن من قيام الثورات في الشرق الأوسط.

لكن الحقيقة هي أن وفاة بائع الخضار المتجول التونسي التي يعزى إليها اندلاع ثورات الربيع العربي مثلا تسببت في خروج المظاهرات ليس نتيجة لتناول الإعلام الموسع لهذا الحدث بالنقاش، لكن لأنه حفّز بيئة اجتماعية أنشأها ما يصفه سرينيفاسن بأنه “تاريخ طويل من المخاض الثوري”.

ويمكن قول الشيء نفسه عن الاحتجاجات في مصر التي انطلقت من ميدان التحرير في القاهرة. عشرة بالمئة فقط من البيوت المصرية لديها نفاذ إلى خدمة الإنترنت. وبالتالي لم يكن الإعلام الاجتماعي طريقا سريعة رقمية للتمرد الجماهيري بقدر ما كان طريقا فرعية تسمح لبقية العالم باتباع الناشطين.

بحاجة إلى عمل؟ التكنولوجيا يمكن أن تساعد
لندن - بانتشار ما يسمّى “اقتصاد العمل المستقل” أو العمل عن بعد، المرتكز على الوظائف المستقلة المستعينة بالتطبيقات، تبرز بعض المدن بوصفها المتبنية المبكرة، أي أنها من سارعت إلى اعتماد النموذج الجديد، في حين نجد مدنا أخرى سارت وراء الركب بسرعة وأخرى تأخرت في تبني المنصات الجديدة.

وترصد دراسة نشرتها مجلة “بروسباكت مغازين” إمكانيات وافرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتطوير هذا الاقتصاد الجديد والاستفادة منه. فمن المفترض أن تكون المنطقة التي لا يتجاوز ثلثا سكانها سن الثلاثين حيوية ومستعدة لتبني التغيرات التكنولوجية التي تعيد تشكيل الاقتصاد.

مع ذلك بالرغم من زيادة الترابط العالمي يوجد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أعلى مستويات البطالة في صفوف الشباب، كما لا تعمل إلا امرأة من بين خمس نساء في المنطقة، وهو معدل أقل بكثير من النسب العالمية.

ويقدر أحدث تقارير التنمية البشرية العربية بأن المنطقة تحتاج إحداث 60 مليون موطن شغل بحلول 2020. ومع ذلك لم تظهر الحكومات أي جدية، إذ أعطت السياسات المركزة على الشباب، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، الأولوية للقضاء على مشكلة الهجرة غير الشرعية ومنع التطرف قبل التفكير الخلاق في معالجة الأسباب الحقيقية وراء الآفتين.

باستثناء دول الخليج العربي، مازالت سياسات التشغيل تركز على المسلك الفاشل عموما المتمثل في جذب الاستثمار الداخلي والتمويل الحكومي لمحاضن المشاريع الصغرى والمتوسطة.

لكن حتى قصص النجاح مثل مصانع السيارات ومراكز الرحلات الجوية في المغرب وتونس نادرا ما تخلق أكثر من 30 ألف وظيفة عمل للمشروع الواحد.

في المقابل يتم القضاء على البرامج القديمة لإحداث مواطن العمل في الصناعة والزراعة بسبب المكننة والمنافسة من البلدان الآسيوية. آن الأوان لاعتماد مقاربة جديدة. إحدى النقاط الإيجابية المتغافل عليها التي تتميز بها المنطقة هي النفاذ إلى الهواتف الجوالة الذي ارتفع من بداية محتشمة إلى مستويات أعلى من المعدل العالمي.

بالنسبة لمن يملكون هواتف ذكية يمكن للتطبيقات أن توفر النفاذ إلى المال والأسواق والحركية التي وعد بها الاتحاد الأوروبي إلى دول الربيع العربي ولم تنجز. في الوقت الحاضر لا توجد أي هياكل تنظيمية أو مالية أو قانونية في المنطقة لأكثر من أقلية من رجال الأعمال بهدف السعي لتحقيق أشكال جديدة من التشغيل وتطوير الأسواق. التفاعلات التعاونية بين المستخدمين ومزودي الخدمات بالاعتماد على المنصات (على شاكلة شركتي أوبر وآربينبي) تبدو مكانا معقولا للبداية. في الاتحاد الأوروبي ساهمت المنصات التعاونية في دخل خام بقيمة 28 مليار يورو في سنة 2015، ويمكن أن تضيف مليارات أخرى إلى الاقتصاد.

وفي الشرق الأوسط، قد يكون مكان الانطلاق من النسخ غير الربحية للتقاسم داخل المجموعة عبر تطبيقات الهاتف الجوال، وهي طريقة لها الفضل على الأقل في تمكين الناس من معالجة حاجاتهم المحلية بشكل أسرع من حكوماتهم الوطنية.

وفي المغرب توصل مطورو التطبيقات إلى تطوير برنامج يتفاعل بالصوت مع سكان الريف شبه المتعلمين لشراء وبيع السلع والخدمات. وفي مصر أحدثت النساء برنامج التشارك في السيارات على الإنترنت لتجاوز النقائص في النقل العمومي في القاهرة.

تتمثل نقطة الضعف الحالية لأغلب سياسات إحداث مواطن الشغل في المنطقة في كونها تتمحور حول نماذج عفا عليها الزمن لكيفية تشغيل غالبية العاملين من ذوي الخبرة المحدودة أو نصف الخبرة، وفي ذات الوقت عدم توفير أي شيء لخريجي الجامعات في المنطقة الذين يعانون من البطالة بشكل غير متناسب. كما عجزت هذه السياسات عن النظر إلى من هم دون الثلاثين من العمر كمشاركين في تصميم مصيرهم الجماعي.

ويحيل مثال الربيع العربي وتأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي، فيسبوك أساسا، على تطورات الأوضاع في البلدان التي شهدت هذه الأحداث، إلى دراسة لورا سبيني بشأن كيف تساعد منصات التواصل الاجتماعي على مواكبة الأحداث لكن في نفس الوقت بإمكانها أن تؤدي إلى أزمات.

وتتناول الباحثة هذه المسألة من زاويتين، الأولى تتعلق بتأثيرات تداول المعلومات بحرية مطلقة دون رقيب، فيما تركز الزاوية الثانية على ما يتم تداوله في بعض المنصات ومواقع التواصل الاجتماعي من معلومات خاطئة، بعضها مقصود وبعضها الآخر خطأ تم تناقله من مستخدم إلى آخر.

حرية المعلومات

تنقل لورا سبيني عن ألين كومان، الباحثة في علم النفس بجامعة برينستون في نيو جيرسي، تأكيدها على أنه لطالما تم اعتبار مسألة تداوُل المعلومات بحرّية في واحدة من أهم سمات المجتمعات المنفتحة والديمقراطية وأكثرها فائدة، ولكنّ خلق تلك المجتمعات لا يضمن – في حد ذاته- تحقيق نتائج إيجابية. وربما تكون الذكريات الجماعية الخاطئة ثمنا للدفاع عن حرية التعبير، ولكن فهم كيفية تشكيل تلك الذكريات ربما يوفر بعض الحماية في المرة القادمة التي يتم فيها تذكير الناس بمذبحة لم تقع من الأساس.

وتقول لورا سبيني إن الذاكرة غير معصومة من الخطأ، ولكن بعض الخبراء يساورهم القلق بشأن ظاهرة جديدة بدأت في الظهور، وهي تلك المتعلقة بما يتم تداوله من أخطاء تاريخية.

وقد حفلت الأخبار مؤخرا بأمور عجيبة. فقد شهد هذا العام بعض التلميحات من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى “مذبحة بولينغ غرين”، وإلى هجمات إرهابية في السويد، وفي أتلانتا بولاية جورجيا، لم تقع مطلقا. وسرعان ما جرى تصويب المعلومة الخاطئة، لكن يبدو أنّ بعض الأساطير التاريخية من الصعب مَحْوه.

ويقول عالم النفس دانييل سكاكتر “تتم مشاركة الذكريات بين المجموعات بأساليب مبتكرة، ومن خلال مواقع معينة مثل فيسبوك وإنستغرام، مما يزيل الحدود الفاصلة بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية.

وتطور المعلومات المغلوطة المبنية على الإنترنت -مثل مواقع الأخبار الزائفة التي حظيت بدعاية كبيرة يمكنه تشويش ذاكرة الفرد وذاكرة الجماعة”.

وتذكر سبيني كمثال توضيحي هنا أن المواقع الأميركية تناقلت أخبارا عن هجمات إرهابية وهمية من أجل تبرير قرار حظر السفر على مواطني سبع دول إسلامية.

ورغم أن التاريخ خضع في أغلب الأحيان إلى تفسيرات ذات غايات سياسية، فإن علماء النفس يقومون حاليّا ببحث العمليات الأساسية التي بواسطتها تتشكل الذاكرة الجماعية وذلك لفَهْم ما يجعل تلك الذاكرة سريعة التأثر بما تتعرض له من تشويش.

يبيّن العلماء أن الشبكات الاجتماعية تقوم بدور كبير في تشكيل الذاكرة، وأن الأشخاص يحتاجون إلى القليل من التحفيز حتى ينصاعوا لذاكرة الأغلبية، حتى لو كانت خاطئة.

ولنحارب تأثير الأخبار الزائفة، بحسب ما يقول ميكاه إدلسون، الباحث في شؤون الذاكرة بجامعة زيورخ في سويسرا، “من المهم أن نفهم ليس فقط مسألة إنشاء تلك المواقع وإنما أيضا طريقة استجابة الناس لها”؛ فيما يذهب رامش سرينيفاسن إلى أن اضطراب نشاط الإعلام الاجتماعي لا يمكن منعه ما دامت خوارزميات الإعلام الاجتماعي مصممة لزيادة الربح عبر النقرات.

وفي الوقت المناسب قد تنشأ قواعد أخلاقية تحكم الشبكات العابرة للثقافات من تلقاء نفسها، لكن إلى ذلك الحين فإن تعزيز هوية وأسلوب علاقات واهتمام مشتركة سينجح أكثر في تقريب الناس من بعضهم البعض من محاولة لزيادة تصفح الصفحات على نطاق واسع.

وبهذه الطريقة قد تسمح المنصات الإعلامية في يوم من الأيام للأفراد بالشعور بالارتياح وهم يشاركون في أي عدد من المجموعات الافتراضية بحسب خياراتهم، مما يحوّل الوعد المزيف بقرية عالمية واحدة إلى شبكة عالمية تتكون من عدة قرى يتناسب حجمها مع احتياجاتنا وتحافظ على ذاكرتنا نقية.

7