الوشم بين معانيه وشخصياته المتمردة!

الأحد 2016/03/06
هوية مرسومة ورسالة من الذات إلى الآخر

اسطنبول - كان لجدتي وَشْم ناعم في وجهها يقوم على نقاط دائرية في أسفل ذقنها، كما كان لجدي وَشْم آخر بين إبهام يسراه وسبابتها. الاثنان رحلا عن هذه الدنيا منذ زمن طويل. لكنّني ورغم وجود صور قديمة لهما، أتذكر وَشْميهما قبل أيّ شيء، وكأن تلك النقاط الخضراء في وجهها وفي يده، قد انتقلت لتوَشْم ما يخصهما في عقلي مذ كنت صغيرا..!

في قريتي المتاخمة للبادية، شاهدت ريفيين كثرا وشموا أنفسهم بعلامات مازلت أحار في معناها، كما أن البدو الذين كانوا يأتون بمواشيهم ليرعوها في أراضي القرية، كانوا يحملون على وجوههم وأذرعهم وُشوما أكثر غرابة..! وهكذا كانت الرحلات الصيفية إلى القرية شرق مدينة السلمية في محافظة حماة السورية، تعني للصغير الذي كنته في جانب منها، جولات في عالم رسوم خضراء تزيّن ما يظهر من أجساد القرويين والبدو.

بعيدا عن هذا الفضاء كانت الوُشوم تختفي في المدن الكبرى، وبدلا عنها كانت هناك علامات نقوشية مبثوثة في زوايا دمشق المتعددة والمتنوعة. وكأن الحواضر المدنية لم تكن بحاجة لما يزيّن أجساد سكانها، بل كانت ومنذ نشوئها تحتاج إلى فضاء يريح أرواحهم، لتكتمل سعادة أجسادهم، فهل كان الجسد في الفضاء الريفي وما يعتريه مدخل لإرضاء الروح؟ لماذا كان الوَشْم منتشرا في الأرياف وغائبا في المدن آنذاك؟

المشاهدات التي أنقلها من سبعينات القرن الماضي، لم تبق تفاصيلها ثابتة دون تحوّلات، فالمدن السورية كما غيرها في العديد من البلدان العربية تريّفت، بينما بقيت الأرياف كما هي، لم تنمو كما يجب، وفقدت طيلة عقود سكانها الذين هجروها، وفي الطريق الذي سلكته أجيال من هؤلاء، كانت الوُشوم الريفية تسقط، وكأنها صنيعة أثرية، يجدر وضعها في المتاحف، أو على الأقل الركون لوجود أطيافها في ذاكرة بعض التعساء، الذين يحاولون التنقيب في إرث العلامات والرموز، وارتباطها بحياتهم ومشاعرهم، وكأنهم يقولون قول طرفة بن العبد في معلقته الشهيرة “لِخَولة َ أطْلالٌ بِبُرقَة ِ ثَهمَدِ/تلوح كباقي الوَشْم في ظاهر اليدِ”.

الوشم: المعنى

أبسط تعريف للوَشْم يقول إنه “شكل من أشكال التعديل الجسدي ويتم بوضع علامة ثابتة في الجسم وذلك بغرز الجلد بالإبرة ثم وضع الصبغ عن طريق هذه الفتحات والجروح ليبقى داخل الجلد ولا يزول”. ولكن الروائي المغربي وعالم الاجتماع الشهير عبدالكبير الخطيبي يتجاوز التعريف الإجرائي ويمضي بنا إلى مجازات يمثلها الوَشْم ويحتويها في آن معا، فيقول إنه “لباس مكتوب”، حيث لا يمكن فصل الكلمات عن الجسد..!

حضور الفن التقليدي كمادة ضمن حمولة الوَشْم العامة في وقتنا الحالي، بات أكبر من مجرّد عملية نقل للوحة من عالم القماش والزيت أو الورق إلى عالم جلد الجسد الإنساني، ليكون فعلا تبادليا بين المنجز في الماضي وبين الرؤية المعاصرة لحضور الوشم بوصفه فعلا مغايرا

وللوَشْم أنواع عديدة في وقتنا الحالي، يمكن لمراجعتها توضيح ارتباط وجودها بغايات محددة في حياة البشر، فالطبيعي منه هو الذي ينشأ إثر جرح يتعرض له الإنسان فيتداخل مع لون ما يطلى به مكان الجرح فيبقى أثرا ثابتا على الجسد، أما التجميلي فهو ينتج عن فعل إرادي لرسم ملمح ما على الوجه كأن تقوم المرأة بوشم الحاجبين، وغير ذلك، أما الطبي فهو ينتج عن المعالجات الإشعاعية في بعض مناطق الجسم، حيث يؤدي تكرار تسليط الإشعاع على منطقة محددة إلى ظهور أثر دائمٍ على الجلد.

أما وَشْم الهوية، فهو النوع الأكثر عرضة للتحليل والدراسات، إذ يرتبط ظهوره كفعل يقوم به البشر، بارتباط المجموعات البشرية في زمن ما بـ”الطوطم”، أي الكيان الذي يمثل دور الرمز للقبيلة، وأحيانا يُقدس باعتباره المؤسس أو الحامي لها، والذي ترتبط به العبادة الطوطمية، التي تبنى على تقديس الطوطم، وعبادته، ومحاولة الاندماج مع وجوده المتخيل، وقد بدأت عملية الوَشْم من خلال الاعتقاد بضرورة أن يحمل كل فرد من أفراد الجماعة البشرية طوطمه معه، ولهذا يتم نقش صورته على جلد الإنسان لتختلط بدمه، وبما يحقق أعمق ارتباط ممكن بين الاثنين! وبالتأكيد فإن تعدد الطواطم واختلافها بين المجموعات البشرية، يعني بشكل أو بآخر تعددا بالوُشوم، ما يؤدي لأن يصبح الوَشْم رمزا لتحديد الانتماء. حيث يصبح لكل قبيلة وشمها الذي يدل عليها، يكفي النظر إليه ليتم تحديد انتماء من يحمله.

وشوم الموت

وتبعا لما سبق فإن استخدام الوَشْم ليكون أداة لتمييز الانتماء هو فعل نشأ بشكل طبيعي، ولكن البشر استخدموه بشكل متعمّد وقسري في أوقات لاحقة، إذ كانوا يَشِمون العبيد بعلامات تجارية بوصفهم بضاعة يتم بيعها وشراؤها وتصديرها، وحين يُلقى القبض على عبد هارب كان الرومان يشمون جبهته بعبارة “أنا هارب”، وقد اتبع هذا الأسلوب في الأعمال الحربية، حيث كان يطلب قانونيا من الجنود الرومان وضع وشوم معينة على أيديهم، ليكون من الصعب إخفاء الشخصية في حال الانشقاق أو الفرار. وقد استمر استخدام الوَشْم في هذه الأعمال حتى قيام الإمبراطور قسطنطين الأول بحظر فعله على وجه الإنسان عام 330 ميلاديا.

واستمر التوشيم في أمكنة أخرى من الجسم حتى قيام “مجلس نيقية الثاني” عام 787 ميلاديا بحظر رسم جميع العلامات على الجسد بسبب كونها ممارسات وثنية. ورغم ذلك استمر الوَشْم حاضرا في حياة الكثيرين ولا سيما أولئك الذين يحتاجونه من أجل تحديد هويتهم بعد موتهم، كالمقاتلين والبحارة وغيرهم.

غير أن أسوأ ما تحمله ذاكرة الإنسان عن الوَشْم جاء في أربعينات القرن العشرين، حين عمد النازيون إلى توشيم المعتقلين اليهود والغجر وغيرهم في معسكرات الاعتقال بأرقام وعلامات، حيث كان لكل سجين رقمه الذي يوشم به على ذراعه، فبحسب موسوعة الهولوكست؛ قام النازيون بتمييز السجناء الذين كانوا في المشفى أو الذين كان سيتم إعدامهم برقم تسلسلي في المعتقل، يوضع على الصدر بحبر لا يمكن إزالته. وعند إعدام السجناء أو موتهم بطرق أخرى، كان يتم التخلص من ملابسهم التي تحمل الرقم التسلسلي.

وعلى افتراض كثافة معدل الوفيات في المعتقل ومع نشاط التخلص من الملابس، لم يكن هناك طريقة لتحديد الجثث بعد إزالة الملابس عنها. ولذلك قام السجانون بوضع الوشوم المرقّمة بغرض تحديد الجثث الخاصة بالسجناء المسجلين الذين لقوا حتفهم!
الوشم تحول من علامة شخصية، إلى موضوع عام يحمل بذاته قوام الشخصية التي تنطق عن صاحبها

النوع الأخير من الوَشْم تصنيفيا هو التزييني أو ذاك الذي يغيّر في صورة الجسد الإنساني، وهذا النوع يقسم إلى جزأين، الأول ويحتوي محاولات الأفراد لإنشاء علامة ما على أجسادهم، كأن يكتب اسم حبيبته أو أمّه أو أيّ شيء آخر، أو أن يكتب اسم نجمه المفضل أو اسم قائده، بطريقة بسيطة دون عناية، وهذا النمط منتشر كثيرا في المناطق الشعبية، والريفية على العموم.

والجزء الثاني الذي يقوم بتنفيذه فنانون محترفون، بناء على طلب الأشخاص، الذين يرغبون بوشم أجسادهم بعلامة محددة، وهذا النمط من الوُشوم هو السائد في عالم الشخصيات العامة.

فلسفة الوشم

بين سبعينات القرن الماضي وبين وقتنا الحالي، تحول الوَشْم من علامة شخصية، إلى موضوع عام يحمل بذاته قوام الشخصية التي تنطق عن صاحبها، فقد بات عنصرا حاضرا في حياة أفراد المجتمع، لا سيما وأنه صار ضمن حمولة ثقافية عولمية ضخمة تنتشر بين البشر، الذين باتوا يتواصلون مع بعضهم، ويتناقلون الأنماط السلوكية ذاتها، وعليه فإنه حين يحال موضوعه إلى مجرد مسألة جمالية كيفية، فإن الإحالة تبدو قاصرة عن الإحاطة بما يطرحه في سياق العلاقة بين الجسد وبين محيطه، وهنا يقترح علينا الباحث إبراهيم محمود الحديث عمّا أسماه بـ”التاتولوجيا: علم الوَشْم” إذ نجده يقول “لأنّ ثمة وقائع حية موزعة، تستدعي تكثيف الجهود للوقوف على هذا المتحوّل تاريخيا، وكيف يشكل سلعة محمولة ومرئية متداولة بالمعنى الرمزي هنا وهناك.

وفي سياق التأريخ للوَشْم، جائز هذا القول الذي يؤصّل للوَشْم كقيمة اجتماعية من خلال قائمة متداخلة ومعقدة في بعض الأحيان، من الشعائر والمعتقدات والمناسبات في مجريات الحياة اليومية لهذه الجماعة أو تلك، مثلما يؤصّل له كقيمة ذريّة، أو انشطارية أكثر فأكثر كلما تقدمنا صعدا، فيختلف المودَع قيمة ودلالة فيه بحسب الأشخاص”.

وبحسب الباحث فإن “الفنانين ونجوم السينما، والرياضيين، يعتقدون أن اتكاء ما، على وَشْم يتم اصطفاؤه أو ابتداعه كفيل بإضفاء صفة تمايزية عن أيّ منهم، فالنجومية تمثل التيار الأكثر صخبا في بلبلة مفهوم الوَشْم، لأن ثمة تصورا مركبا يتركز على الوَشْم، من ذلك وجود تلك القناعة الذاتية لدى الفنان النجم أو الرياضي الموشوم، على أنه بالفعل يختزن دفقا كاريزميا يعلي مقداره، وكون الوَشْم المعرَّف به يدخله في سباق الموضة، أو الاستعراض المفعَّل في أوساط شبابية أكثر من غيرها، ولأن ثمة رغبة تمايزية يجلوها الوَشْم وليس سواه”.

إحدى النساء العاملات في مهنة الصحافة قامت بوشم عدة أمكنة بجسدها، تُحدثنا عن رؤيتها الخاصة للوَشْم فتقول “نظرتي للوَشْم تقوم على أنه جزء من شخصيتي، أحب أن يراه الناس على جسدي، ولهذا فإنني وضعته في أمكنة ظاهرة، إذ كلما كان مكانه مكشوفا أمام العيون كانت الشخصية أوضح، والوَشْم يبنى على كينونة حرّة لشخصية المُوشَّم، ويؤشر إلى ثقة بالنفس، إنه رسالة من الذات إلى الآخر، بأن هناك فكرة ما أو جوهرا أو رؤية حياتية محددة يجب أن يعرفها عنّي. ولهذا فإن الوُشوم التي يرسمها البعض على المناطق الحساسة والمخفية من الجسد، بناء على رغبة الآخر، أو إرضاء لنزعاته، تشكّل فعلا يتضاد مع معنى الوُشوم الظاهرة، فهذه الأخيرة تعني الحرية، بينما تعني تلك المخفية انقيادا وأسرا وعبودية لرغبة الآخر، وبالتأكيد أنا لا أريد أن أربط جسدي بشخص ما، لأنه جسدي أنا..!”.

"فن الوَشْم"

وبالعودة إلى رؤية الأديان لفعل الوَشْم، فإنه فضلا عن تحريم الكنيسة له، فإن الإسلام واليهودية قد وضعا موانع شرعية أمام من يرغبون بتغيير صورة أجسادهم، ولهذا فإن فعل التوشيم الظاهري يصبح نوعا من المخالفة التي تنطوي على محاولة انعتاق ديني ومجتمعي في آن ما، لا سيما وأنه في العديد من البيئات التقليدية المحافظة يلجأ الشباب إلى رسم الوُشوم على أجسادهم في مناطق غير ظاهرة، وبما لا يحقق اكتمالا لفلسفة الوَشْم، بوصفه كلاما على صفحة الجسد..!

أيقونات الوشم

يمكن تأطير علامات الوَشْم التقليدية، ضمن الإطار الاجتماعي الذي تتداول فيه، إذ رغم تحريم الأديان له، إلا أن الوُشوم الدينية حاضرة على الأجساد كنمط تقليدي، كما أن البيئة الحربية، ذات الطبيعة الصراعية المحتدمة، تجعل من العلم الوطني كمثال أيقونة حاضرة أيضا في سياقها، كما أن تقسيمات الصراعات والفرز التي تنطوي عليه تدفع بالأيقونات الدالة على المتصارعين، لأن تكون جزءا من صراع سيميولوجي يبنى على هذه المادة..!

غير أن علامات الوَشْم غير التقليدية، والتي باتت شائعة جدا في وقتنا الحالي، تتميز عن غير التقليدية بأن منطلقها ومنتهاها يبنى على رغبة وقرار شخصي غير مرتبط بدوافع عامة، وضمن هذا المسار يمكن التمييز بين نوعين من الوُشوم، نوع لا يحمل قيمة فنية خاصة، متكرر وسوقي، ويمكن ببساطة إحالته إلى عالم الكيتش (الفن الهابط)، ونوع آخر يحمل خصوصية فنية من نوع ما، يختاره الشخص بناء على ذائقة مختلفة تبتعد عن السائد، وعليه فإننا قد نجد وَشْما قوامه جملة شعرية ما، أو صورة لوحة فنية، يرتبط وجودها على الجسد الموشوم بذهنية وأفكار صاحبه.

ولكن حضور الفن التقليدي كمادة ضمن حمولة الوَشْم العامة في وقتنا الحالي، بات أكبر من مجرّد عملية نقل للوحة من عالم القماش والزيت أو الورق إلى عالم جلد الجسد الإنساني، ليكون فعلا تبادليا بين المنجز في الماضي وبين الرؤية المعاصرة لحضور الوَشْم بوصفه فعلا مغايرا، وهنا يقترح علينا المصمم والمصور الفرنسي نيكولاس أميارد سلسلة من اللوحات الفنية الكلاسيكية الشهيرة بعنوان “فن الوَشْم”، فقد قام بوشم الشخصيات المرسومة فيها، ضمن تجربة تستحق التأمل، طالما أنها ترى بأن ماضي الفن لن يكون كاملا إن لم يتم توشيم الأجساد التي ربضت فيه. رغم أن أغلب الوُشوم التي رسمها على هذه اللوحات تبدو من النوع الهابط الذي لا يحمل أيّ قيمة فنية بذاته.

9