الوشم تغريدة بالجسد تحمل رسائل الشباب المحبة أو الناقمة

الوشم يمثل وسيلة تعبير الشباب لرفض ربط الاحترام بالاحتشام والحكم على الشكل الخارجي فقط، وللتمرد على الصور الأصولية المترسخة في أذهان الأجيال السابقة.
الأحد 2018/12/30
مثال لفكرة الحرية الشخصية وثقافة تقبل الآخر

تعكس ظاهرة انتشار الوشم بين الشباب العربي، حجم التأثيرات التي خلقتها الظروف الاجتماعية والسياسية غير المستقرة التي تعيشها بعض دول المنطقة. وباتت في كل وشم مرسوم على جسد لغة تعبيرية جديدة تبحث عن التميز والانتماء المفقود، وأداة تمرد على أصولية فرضتها الأجيال السابقة.

القاهرة – ظهور الوشم بشكل ملفت في أوساط الشباب ليس مرهونا فقط بالشكل الجمالي ولا بالتصميم الفريد، لكنه أصبح أسلوبا للتعبير عن أراء وأفكار أحيانا يعجز الشاب عن وصفها أو الحديث عنها، الأمر الذي جعله بمثابة منصة جسدية للتعبير عن الذات.

رؤية أحمد عاطف الباحث في كلية آداب بجامعة القاهرة للوشم بهذه الطريقة دفعته لتخصيص رسالة ماجستير للتعمق في عالم الوشم.

قدم عاطف شرحا نفسيا اجتماعيا لتلك الحالات التي أصبحت على مرأى من العامة يمكن ملاحظتها أثناء السير في أي مدينة عربية، شباب وفتيات تبدو الرسوم والوشوم ظاهرة على الأذرع والأوجه والرقبة دون خجل أو خوف من هجوم أو استهجان للفعل الذي كان مرفوضا بقوة حتى وقت قريب.

ورغم أن الوشم ليس اختراعا عصريا، لكن ظل جزءا من تراث وعقائد العرب عبر حضاراتهم المختلفة في صور رسومات الحنة في الأفراح، ودق الصلبان على الأيدي، إلا أن اقتباس التجربة الغربية برسم أيقونات ورموز وكلمات على مناطق بارزة في الجسد، مثّل ظاهرة فريدة كانت محدودة لعقود طويلة.

وظهرت العشرات من الورش الخاصة برسم الوشم وانضم المئات من الرسامين إليها لإبراز فنهم باعتبار الجسد أقدس وأجمل لوحة تعبيرية عما يحمله الفنان من إبداع.

ويقول عاطف في تصريح لـ”العرب” إن المسألة باتت تحمل أبعادا متعددة، عززها ظهور العشرات من الفنانين مثل عمرو دياب ومايا وروبي وأحمد الفيشاوي ومنى زكي في المحافل العامة برسوم عديدة حمّست المحبين لهم على تقليدهم، وكسرت الحاجز النفسي لدى كثيرين ضد رسم الوشم وما يشابهه.

التميز سمة

استخلص سوامي بيتسبنغ عالم النفس الأميركي، خلال دراسة أجراها عام 2012 على أكثر من ألف شخص يحملون وشما بمدينة نيويورك، أن هناك ثلاثة أنماط شخصية يحملها كل شخص موشوم، هي: التمرد على الواقع، والشعور بالانتماء، والتميز أو الاختلاف.

ويؤكد محمد محمود، طالب جامعي في كلية الإعلام، ويعمل منذ أربعة أعوام في رسم الوشوم في القاهرة، أن رسم الوشم فن يحمل رسالة للتعبير عن الذات سواء بالنسبة للرسام أو لصاحب الوشم.

ويقول محمود لـ”العرب”، وهو يغرز إحدى الإبر في ذراع حريف، لضخ الصبغة الخاصة لتثبيت الرسم تحت الجلد، إن الكثير من العامة يظنون الوشم مجرد صورة جمالية سطحية، وربما يكون صحيحا، لكنه يمثل لدى الغالبية “تغريدة ولوحة تعبير عن حالة أو موقف أو رسالة ود ومحبة لشخص آخر”.

أبعاد متعددة لظاهرة الوشم
أبعاد متعددة لظاهرة الوشم

ويوضح “الوشوم تجعلنا أكثر تميزا وجذبا، هي سمة بشرية؛ وجميعنا نرتدي ملابس راقية ونهتم بمظاهرنا لنبدو متميزين، الأمر ذاته بالنسبة للوشم الذي يعطي تميزا وجمالا خاصا لأصاحبه”.

لا يتوقف منظور التميز في رسم الوشم عند الشباب على أنه مجرد تعبير عن رسالة شخصية أو غاية فكرية، لكنه أيضا يعبر عن حالة اجتماعية ومادية لدى البعض.

ويعد رسم الوشم خدمة باهظة الثمن، تتراوح أسعارها، حسب الشكل والمساحة وصعوبة العمل؛ لتبدأ من 200 دولار وتصل إلى ألفي دولار، ما يعكس الحالة الاقتصادية لواضعي الوشوم، مثل من يرتدي أزياء من متاجر عالمية.

ويشرح محمود، قائلا “هناك نوعان من الوشم؛ الأول نصف دائم بمعنى أنه يخترق طبقات سطحية من الجسد، ويمكن إزالته بعد فترة، وأغلبه عبارة عن رسم تزييني لأسماء وعلامات على أجزاء من الجسد، مثل كتابة اسم شخص أو شيء بطريقة بسيطة، وتعد اللغة العربية في العموم واحدة من أكثر اللغات اختيارا في الوشوم بسبب شكلها الجمالي، وجاذبية خطوطها المختلفة، خاصة الخط العثماني”.

أما النوع الثاني فيكون “رسما إبداعيا عميقا ويصعب إزالته ويقوم بتنفيذه فنانون محترفون، بناء على طلب الأشخاص الذين يرغبون بوشم أجسادهم بعلامة محددة، وهذا النمط من الوشوم هو السائد في عالم الشخصيات العامة”.

وتغيرت ثقافة الوشم كثيرا لدى الشباب في مصر والبلدان العربية، وباتت أمرا مقبولا لدى قطاع كبير، وليست وصمة عار مثلما كان يراها البعض.

ويشير محمود إلى أن أغلب زبائنه من الشباب، خاصة الفتيات، حيث يرونه حلية جمالية، لكنه يرفض أن يقوم به لمن هم دون الـ16عاما، لأن الوشم رسم دائم ويجب أن يكون الإنسان راشدا وواعيا عند ذلك الاختيار.

أحمد برعي، شاب في العقد الثلاثيني، يعمل مصرفيا في أحد البنوك الحكومية، اختار أن يضع وشما موحدا هو وثلاثة من أصدقائه رمزا لصداقتهم التي استمرت منذ طفولة، وهو رسم على شكل مثلث يختلط فيه اللون الأحمر والأخضر.

ويقول برعي لـ”العرب”، “أردت أنا وأصدقائي تمجيد علاقتنا والتأكيد على أنها أبدية لن يفرقها مخلوق، فاخترنا رسم الوشم ذاته في أذرعنا “.

ويضيف “الوشم يحمل الكثير من المعاني الراقية والجميلة، فهو تأكيد على توحد وجداننا مع من حولنا بطريقة متينة، لأنه أقوى تعبيرا من الكلمات، فأنت تقول للشخص الذي تحبه أو المكان الذي تنتمي إليه أنا أحبك حتى آخر يوم في عمري، عبر رسم وشم أبدي على جسدي الذي يحمل روحي ويسير معي إلى النهاية”.

ويحمل دق الوشوم على الأجساد رسائل شبابية متعددة، لأنها تزيد وتصبح أكثر رواجا بين الأفراد في الفترات السياسية المشحونة تماما، كما كانت خلال الأيام الثمانية عشرة في ثورة 25 يناير 2011 في مصر، حيث انتشر رسامو الوشم في ميدان التحرير الشهير بوسط القاهرة، وأصبحت لهم ورش خاصة في الخيام المتراصة لرسم شعارات الثورة على الأذرع والأكتاف للتعبير الصادق على الانتماء لزخم المد الثوري الملهم.

ويرى استشاري الطب النفسي وائل ربيع، أن انتشار الوشم بين الشباب في الآونة الأخيرة يجسد انعكاسا أوسع لتحولات تعيشها المنطقة العربية، جعلت هناك تمردا على العديد من الصور النمطية للمجتمع؛ بداية من خلع الأزياء التقليدية مرورا بظهور أشكال جديدة في الشوارع والمقاهي لم تكن معتادة لدى المصريين قبل عشر سنوات.

الوشم لم يعد يمثل مشكلة في تونس مثلما كان عليه الحال في السابق، بسبب الظهور الإعلامي المتكرر لفنانين تحمل أجسامهم أوشاما وأسست مؤخرا أوّل مدرسة لتعليم هذا الفن

ويستطرد في تصريحات لـ”العرب” قائلا: “المجتمعات العربية كانت تنظر لصاحب الوشم على أنه شخص موصوم بشيء سيء يحرّمه الدين ويرفضه العامة، بالتالي أعطى الوشم صورة سطحية لواضعه على أنه شخص رديء السمعة وغير متدين وفاشل، لكن مع التغير العام وظهور العشرات من النجوم، وهم يضعون وشوما في أماكن بارزة، فرض على كثيرين تغيير انطباعاتهم السابقة، وتشجع الشباب على الحذو خلف من يحبون من شخصيات عامة”.

 ولفتت الانتباه الممثلة الأميركية انجلينا جولي بالوشم الذي وضعته على زندها “العزيمة” باللغة العربية، ومن دون أن يعرف إن كانت قد اختارت هذه الكلمة بنفسها أم اقترحها عليها أحد الأشخاص؟ ولماذا باللغة العربية التي لا تفقهها؟

ويرفض ربيع اعتبار الوشم موضة أو نهما مؤقتا لفعل ما، لأن له أبعادا تاريخية وتراثية، لكنه يرى أن انتشاره مؤخرا يعكس حالة غضب لدى الشباب، ويوحي بما يجيش في صدورهم من كبت في التعبير عن آرائهم، لذا وجدوا في الوشم ضالتهم وبات صورة جديدة للتعبير دون حاجة لبذل الكثير من المجهود أو التعرض لمضايقات.

التمرد على الواقع

من الصعوبة فصل قضية انتشار الوشم أو “التاتو” عن سمة الشباب العربي الأهم، وهي التمرد على الصور الأصولية المترسخة في أذهان الأجيال السابقة ومحاولة هدمها بشتى الطرق، وإن كان بعضها مليء بالسطحية والضحالة، لكنها في النهاية تشي برغبة شبابية مدفوعة بما تعيشه المنطقة العربية من آثار سياسية وتحولات جسيمة.

ويقرن البعض بين التقليد الغربي الأعمى، والإمبريالية الغربية، وما يأتي من ظواهر متعددة، بداية من رسم الوشم وتغير المزاج العام في الملبس والمشرب والمأكل، وصولا إلى كل ما يتناسق ويتجانس مع المنظور الغربي للحياة. وتحول الوشم مع الوقت إلى قضية سجالية بين مؤيدين يرونه تعبيرا صادقا عن الذات المعقدة، ورافضين قابعين في اتهامات الحرام والتأثر الساذج بالعولمة.

وتبدو الصورة لدى الشباب أكثر شمولية من مجرد تقليد أو تأثر، فهي رمز تمرد على كل ما هو مرفوض ومغضوب عليه.

تقول سناء الوكيل، شابة في منتصف العشرينات، ويمتلئ جسدها بوشوم عديدة في أنحاء مختلفة، إن الوشم مثال صارخ لفكرة الحرية الشخصية وثقافة تقبل الآخر، وإن الإنسان مخير في ما يحب ويشتهي، طالما لم يعتد على حدود الآخرين أو يخترق خصوصياتهم.

تنوه الوكيل لـ”العرب”، إلى أن الوشم ثورة فنية واحتجاج على ما يسعى البعض إلى فرضه من قيود غير مفيدة وغير مجدية، وهو يغضب البعض لأنه يكشف جهلهم ويفضحهم أمام أنفسهم ويجعلهم يتصارعون بداخلهم أكثر على ما فرضوه من قيود واهية تحتاج إلى تغيير جذري.

وتضيف “الوشم لم يعد رمزا يعطي جمالا للمرأة ويجعلها أكثر تأنقا، أو يعزز تكاملها مع جسدها، لكنه رسالة توعية بالتغيير والتفهم لاحتياجات كل إنسان”.

ويذكر البعض أن انتشار الوشم بين الشباب، امتداد لسلسة من الثورات الاجتماعية المتتابعة والمتشابكة على فروض مصبوغة بالدين وضعها القطاع المتشدد في المجتمع، كربط الاحترام بالاحتشام، والحكم على الآخرين بأشكالهم الخارجية دون النظر لصفات الشخصية والأخلاق الهامّة في بناء مجتمع قويم.

ويلقى الوشم إقبالا متزايدا في أوساط الشباب في تونس حيث أسست مؤخرا أوّل مدرسة لتعليم هذا الفنّ الذي ينظر إليه كثيرون على أنه “مهنة المستقبل” بعد رفض اجتماعي طويل.

وتقول غادة عطيوي “إنها مهنة المستقبل” وهي طالبة تتلقى دروسا في أوّل مدرسة أنشئت مؤخرا لتعليم فن الوشم.

أداة للتمرد عموما عند المجتمع والدين
أداة للتمرد عموما عند المجتمع والدين

وتنكب الشابة البالغة 19 عاما على رسم أشكال هندسية معقدة ببراعة على جلد اصطناعي مستعملة الحبر الصيني قبل أن تنقلها إلى الجلد باستخدام آلة خاصة.

وكانت مهنة دقّ الأوشام شائعة في المجتمعات الريفية في تونس، وكانت النظرة إليها دونية، وتقتصر ممارستها على غير المتعلّمين أو الهامشيين في المجتمع. لكن الأمر بدأ يتغيّر في السنوات الماضية، ولا سيما بين الشباب.

وتقول غادة “هو فن المستقبل ومهنة المستقبل، ولا يوجد الكثير من النساء في هذا الميدان، وهذا يشكّل تحديا لي”.

وإلى جانبها في الصفّ ثمانية طلاب تتراوح أعمارهم بين التاسعة عشرة والحادية والثلاثين، يأملون أن يصبحوا محترفين مجازين في الوشم لأن غالبية من يمارسون رسم الوشم يعملون بطريقة غير قانونية في تونس.

ويفكر المختص في العلاج الطبيعي سامي الصيد (31 عاما) في فتح قسم للوشم في عيادته، وهو فخور بالوشم الذي يزين يديه ويقول “أكون سعيدا حين أقوم بعمل أحبه”.

إعجاب تحول إلى مهنة

افتتحت المدرسة الأولى المعترف بها رسميا في تونس منتصف نوفمبر الفائت، في منطقة المرسى الراقية (الضاحية الشمالية) لتكون بذلك أول مركز من هذا النوع في العالم العربي وشمال أفريقيا.

وقد واجه خبير دقّ الأوشام المعروف فواز زهمول صعوبات من أجل الحصول على ترخيص رسمي وإنشاء نقابة.

وباشر زهمول، المهندس السابق، عمله في الأوشام في العام 2006، وشارك في تدريبات في الخارج ليمسك بزمام “هذا الشغف الذي أصبح مهنة”.

وبدأ هذا الفنّ في تونس مع البربر، وانتشر بين سكان البادية على وجه الخصوص.

ولا يلقى الوشم استحسان الأوساط الدينية لاعتباره “تغييرا لخلق الله”، ولا سكان المدن الذين لطالما شعروا بأنه تقليد متخلّف فيما البلد يسعى نحو الحداثة منذ الاستقلال عام 1956. وزاد من النظرة السلبية له أنه ارتبط بالسجناء الذين درج الكثير منهم على تزيين أجسامهم بأسماء من يحبون.

وحين فتح زهمول أول صالون قانوني للوشم في تونس، أراد أن ينقل كلّ معارفه إلى غيره. وكلفه حبه لمهنته مشكلات كثيرة، منها اعتداء من أربعة رجال اتهموه بأنه ماسوني وأنه يبيع مواد ترمز للشيطان.

لكن زهمول يؤكد أن “الوشم لم يعد يمثل مشكلا في تونس مثلما كان عليه الحال في السابق، ولا سيما بسبب الظهور الإعلامي المتكرر لفنانين تحمل أجسامهم أوشاما”.

ويتلقى الطلبة في مدرسة الوشم تعليما يشمل القواعد الصحية وأسرار المهنة، وذلك يومي السبت والأحد لمدة ستة أشهر مقابل أربعة آلاف دينار (1365 دولارا).

ويرى المدرب أمين العبيدي أن “المدرسة فتحت بابا جديدا للعالم العربي وشمال افريقيا”. ويضيف هذا الشاب البالغ 32 عاما الذي يحمل جسمه 40 رسما منها علم تونس واسم الله والأشخاص الذين يحبهم “واجهنا مشاكل كي نتعلم التقنيات والبراعة، وآمل أن لا يواجه هؤلاء الفنانون الشبان المشاكل نفسها”.

ويرى الباحث في علم الاجتماع عبدالستار الشيباني أن هناك “طريقة جديدة للوشم بدأت تحتل حيّزا كبيرا اليوم، وهي متأثرة بالتقنيات والذائقة الغربية”.

ويعتبر الشيباني أن الظاهرة تشكّل واحدة من تداعيات “هيمنة السياسيين على الفضاءات العمومية” ما يدفع “فئة من المجتمع للجوء إلى وسائل تعبير أكثر جرأة مثل وشم الجسد للأبد”.

ولا يتوقف الوشم باعتباره أداة للتمرد عموما عند المجتمع والدين، بل يخرج ليمثل بوتقة من المغامرة غير المحسوبة والترضية الذاتية، مع ربط البعض بين رسم الوشم والإصابة بالأمراض الجلدية الخطيرة.

وفي العقد الماضي توقع العلماء أن تنخفض نسب أصحاب الوشم في العالم مع ظهور تأكيدات على كونه أحد مسببات سرطان الجلد، ويعزز الإصابة بأمراض فيروسات الدم، لكن على النقيض، زادت وتيرة انتشاره بين الشباب ونجوم الفن والكرة من دون اهتمام بما يوصي به الأطباء، وهو ما اعتبره علماء النفس والاجتماع “امتدادا لرسالة التمرد الشبابي على كل مناحي الحياة حتى الوقاية الصحية”.

19