الوشم موضة يرفضها المتشددون ويقبل عليها العراقيون

رغم أن رسم الوشوم على الجسم من الطقوس القديمة جدا التي تعود أصولها إلى زمن الفراعنة والمايا، إلا أن هذا الفن القديم لا يزال يقابل بالرفض في المجتمع العراقي الذي يعتبره من المحرمات، بعد انتشار موضة “التاتو” في صفوف الشباب خصوصا بعد الغزو الأميركي سنة 2003.
الجمعة 2017/01/27
لا فرق بين "الدقة" و"التاتو" سوى في العقلية

بغداد- في أحد الأحياء الشعبية بالعاصمة العراقية بغداد هناك محل له بصمة ملموسة في المدينة. هذا المحل يملكه الشاب العراقي ماهر ياسين حمودي، وهو عبارة عن صالون لدق أو رسم الوشوم التي انتشرت كموضة بين الشباب العراقي في السنوات الأخيرة. وبعد أن كانت بغداد مشهورة بكثرة التفجيرات، أضحت تشتهر في السنوات الأخيرة بزيادة عدد صالونات أو مراسم دق الوشم في أحيائها.

وعلى الرغم من ذلك، فإن إقامة صالون لدق وشوم في مجتمع محافظ مثل العراق ليس بالأمر السهل، حيث تختلف نظرة الناس إلى من يدقون وشوما على أجسادهم. وعن ذلك يقول رسام الوشم حمودي “لا توجد مشكلات في ما يخص الخطر على الأفراد الذين يريدون رسم وشم على أجسادهم، لكن توجد مشكلة في تقبل الناس لهذا التقليد. في العراق لا يتقبل الأشخاص الذين يحملون وشوما بسبب تحريمها من طرف بعض الأشخاص.

وفي المقابل، هنالك أشخاص يأتون هنا خصيصا لرسم وشم فيه صورة إمام أو عبارات عن أهل البيت”. وأضاف “أتذكر أنه في فترة من الفترات في سنوات 2008 و2009 اتهمت من قبل العديد من الشباب بتنفيذ وشوم للعلم الأميركي، لكن ذلك لم يكن صحيحا. أنا أرفض دق تلك الرسوم لأنها تتعلق بذكرى غزو العراق المؤلمة. كانت توجه لي العديد من الاتهامات، لكن الأمر يختلف اليوم. الوضعية الآن في العراق أفضل بكثير من قبل”.

وفي مواسم بعينها يزيد الطلب على دق وشوم دينية معينة مثل صور أئمة شيعيين أو مقولات دينية مأثورة أو صور السيد المسيح. ويوضح ذلك الفنان حمودي (30 عاما) الذي تعلم هذه الحرفة، قائلا “يختلف الإقبال على رسم الوشوم من موسم إلى آخر. فخلال فصل الصيف يكون الطلب أكثر على الوشم، الذي يكون واضحا ويمكن رؤيته مع الملابس القصيرة. وفي المقابل يقل الطلب على الوشم في الشتاء”.

ولا يقتصر دق الوشوم على الرجال فقط فالنساء العراقيات يرسمن وشوما أيضا، لكن في بيوتهن ويدقها لهن نفس الرسامون المتخصصون في هذا الفن. وعن ذلك يقول حمودي “بحكم وجود صالوننا في منطقة شعبية لا يمكن دق الوشوم للنساء، حيث يتسبب ذلك في إحراج كبير لهن. لذلك نذهب نحن إلى بيوتهن أو المكان الذي يرتحن فيه”.

صفحات صالونات دق الوشوم تنتشر في العراق على مواقع التواصل الاجتماعي وتحظى بمتابعة عدد كبير من الشباب، كما تظهر إعلانات صغيرة في شوارع العاصمة بغداد وبعض المحافظات

ويبدأ سعر دق الوشم بمبلغ 15 دولارا ويتفاوت السعر حسب حجم الوشم ومدى صعوبة الشكل المطلوب رسمه بالوشم. وبدأ حمودي عمله في دق الوشوم منذ 15 عاما في بيته، حيث كان يرسم وشوما لأفراد عائلته وأصدقائه. ومع تزايد الطلب على خدماته افتتح محله قبل أربعة أشهر في حي الحرية بشمال بغداد.

ولأن توجه الشبان العراقيين جديد نحو الوشم وحمودي يدرك نظرة الشعب العراقي المحافظ إلى الوشم، فإنه عادة ما ينصح الشباب بعدم دق وشوم في أماكن وبأشكال يمكن أن تثير حفيظة من يراهم. وقال حمودي “يأتي زبائن إلى الصالون يريدون دق وشوم كبيرة أو صغيرة فهي تختلف حسب شكل وحجم الرسمة التي تعجبهم. نعرض عليهم الرسوم ثم يتم الاختيار على أحدها فنخططها ونطبعها ثم نشتغل على أساسها، لكن أحيانا نصادف زبائن خصوصا من الشباب يطلبون دق دمعة على الوجه أو سلسلة على الرقبة ورسومات متطرفة على اليد، حينها نحاول ثنيهم وإقناعهم بالعدول عن ذلك لأن أغلبية المجتمع العراقي محافظ والناس لا تتقبل ذلك بسهولة، لكن إذا لم يقتنع الزبون نقبل ونجبر على دق الوشم الذي يريده في نهاية الأمر”.

وتنتشر صفحات صالونات دق الوشوم في العراق على مواقع التواصل الاجتماعي وتحظى بمتابعة عدد كبير من الشباب، كما تظهر إعلانات صغيرة في شوارع العاصمة بغداد وبعض المحافظات العراقية الأخرى تحمل أرقام هواتف ومعلومات مقتضبة عن رسامي الوشوم. ومن أبرز الأشكال والرسوم التي يطلب الرجال دقها على أجسامهم، رسم التنين والأفاعي والجماجم البشرية والعقارب، بالإضافة إلى الرموز الدينية وترسم أغلبها على الذراع والكتف، فيما تفضل النساء نقوش الأزهار والفراشات فضلا عن رموز الحب والأسماء وأغلبها تكون في مناطق غير مكشوفة من الجسد أو على الذراع.

وكان العرب القدامى يدقون وشوما على أجزاء مختلفة من أجسام الرجال والنساء وحتى الأطفال، وكانت تستخدم كطقوس حياتية ودينية وتعـويذات لمنع السحر أيضا. ولم يكن دق الوشم في العراق محرما أو منبوذا في السابق، حيث استخدم قديما كتعويذة ضد السحر والحسد والزينة والتجميل وخاصة عند النساء. وكان العراقيون يستخدمون سواد القدور الذي تتركه النار لوشم رسومات على أجسادهم، وذلك عن طريق دقه بالإبرة وسط الجلد فيصبح لونه أخضر ويسمون تلك العادة “الدقة”.

24