الوصاية على الإعلام والسينما

الرقابة على منتجات التلفزيون الدرامية لم تعد تكفي بعد أن أصبحت القنوات الخاصة التي لا تتّبع تلفزيون الدولة الرسمي تنتج وتعرض المسلسلات الدرامية.
الأربعاء 2018/02/14
المخرج محمد فاضل يترأس لجنة الدراما

من الأشياء الملفتة للنظر أن تجتمع لجنة تم تشكيلها حديثا في مصر باسم “لجنة الدراما” منبثقة عن كيان آخر تم تشكيله مؤخرا باسم “المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام”، وأن تصدر هذه اللجنة توصيات تبدأها بالإقرار القاطع بأن “الدراما المصرية كانت وستظل لها الريادة كما كانت وستظل تشكّل وجدان المجتمع المصري، بل العربي كله”.

ولعل أول ما يلفت النظر هو أولا اسم “المجلس” الذي لا بد وأن تلحقه صفة “الأعلى” على غرار جميع المجالس المماثلة التي شكلتها الحكومة وضمت إليها المختصين (الموالين لسياساتها)، مثل “المجلس الأعلى للآثار” و”المجلس الأعلى للثقافة”، و”المجلس الأعلى للقضاء”.. وغير ذلك من أسماء ومسميات تؤكّد صفة “الأعلى”، كما لو كان هناك ما هو “أدنى”. والغرض بالطبع هو إضفاء نوع من الرهبة والهيبة على هذه المجالس “العليا” على غرار “مجلس السوفييت الأعلى”. وهي مسميات تبدو مضحكة بوجه خاص عند ترجمتها إلى اللغات الأخرى!

أصدرت هذه اللجنة قرارا، أو توصية، لا تثير في الحقيقة سوى السخرية، تؤكد فيها أن “الدراما المصرية كانت وستظل لها الريادة”، فهل يتحقّق التفوّق والريادة بقرارات أو توصيات أو أقوال منثورة تتردّد داخل قاعات الاجتماعات وتصدر بشأنهما توصيات وبيانات من لجان بيروقراطية أم أنهما يكتسبان بالعمل والجهد والإبداع الذي لا يتحقّق سوى في مناخ الحرية؟ فهل دافع أعضاء تلك اللجنة الغامضة عن “حرية الإبداع” بدلا من تقرير أن الريادة كانت وما زالت.. وربما ستظل.. إلى آخر هذه التعبيرات المضحكة؟

إلاّ أن ما يتبع ذلك في البيان الذي أصدرته اللجنة التي ترأسها مخرج الدراما التلفزيونية محمد فاضل، هو بالفعل “بيت القصيد”، فهو يمضي ليقول إنه لذا “كان الاهتمام بالمحتوى الذي يقدّم، هو محور المناقشة بين جميع المشاركين في الاجتماع، ووافق المشاركون على صياغة ورقة عمل بأولويات موضوعات المحتوى التي يحتاج إليها المجتمع في المرحلة الراهنة، لتكون دليلا للعاملين في الإنتاج الفني، وسوف تتم مناقشة ورقة العمل هذه في المؤتمر الذي سيعقد يوم 16 فبراير الجاري مع عناصر العملية الفنية وفي مقدماتها المؤلفون والمخرجون”.

المسألة إذن تكمن في وجود “دليل عمل” و”توصيات” أو بالأحرى “توجيهات” محدّدة تريد السلطات التي شكّلت “مجلس تنظيم الإعلام” واللجنة المنبثقة عنه، أن تعرضها، أو تفرضها بشكل ما، على العاملين في مجال الإبداع الدرامي والسينمائي.

نحن إذن أمام ما يشبه ممارسات وزير الدعاية النازي الدكتور جوزيف غوبلز، الذي كان يفرض أفكار الحزب النازي على جميع العاملين في الإعلام والسينما، بدليل أن بيان اللجنة الموقّرة يؤكد أن “آليات الإنتاج تحتاج إلى وضع ضوابط لها، حيث أنها تشهد حاليا تخبطا شديدا في جميع العناصر، وهي في حاجة ماسة إلى الترشيد”، ثم “أن التوصيات التي تخرج من الاجتماعات المشتركة بين لجنة الدراما وغرفة صناعة السينما والنقابات الفنية وأهل الخبرة، لا بد وأن تكون ملزمة من خلال القوانين المنظّمة للجهات المشاركة”.

يبدو أن الرقابة على منتجات التلفزيون الدرامية لم تعد تكفي بعد أن أصبحت القنوات الخاصة التي لا تتّبع تلفزيون الدولة الرسمي تنتج وتعرض المسلسلات الدرامية، ولم يعد جهاز الرقابة على المصنفات الفنية الذي يختص أساسا بمراقبة الأفلام السينمائية، كافيا، فبعد تطويع البرامج السياسية والإخبارية والسيطرة على القنوات الخاصة وتوجيه مقدمي هذه البرامج، بل وعدد من نجوم السينما أيضا، للترويج لسياسة الدولة، والتعريض بخصوم النظام من المعارضين، أصبحت هناك على ما يبدو ضرورة لفرض تصوّرات معينة لما يجب تقديمه في الأفلام والأعمال الدرامية، ما يسمح به وما لا يسمح.

ولا شك أن “التوجيهات” تصدر من جهات عليا أعلى من “المجلس الأعلى” لتنتقل من الأعلى إلى الأدنى، أي إلى لجنة الحفاظ على القيم الدرامية والمسلسلية المسماة “لجنة الدراما وصناعة السينما”، ولا أجد في النهاية ما أقوله سوى “عشنا وشفنا”!

16