الوصاية على الدراما المصرية تلحقها بمصير الإعلام

الحكومة المصرية تصدر قرارات بتشكيل ثلاث لجان لوضع معايير الأعمال الدرامية والبرامج الدينية وبرامج الأطفال، بالإضافة إلى سيطرة شركة واحدة على النسبة الأكبر من سوق الإعلام المصري.
الثلاثاء 2018/12/18
السيطرة على الدراما تفقدها التأثير على الجمهور

تحاول الحكومة المصرية مواجهة الأفكار السلبية والمغلوطة، بالسيطرة على مضمون الدراما التلفزيونية والوصاية على فكر أصحابها وفق الآلية التي تتعامل بها مع الإعلام، رغم أن هذه الطريقة أثبتت عدم جدواها وفشل الإعلام في إقناع الجمهور.

القاهرة- تصر الأجهزة الحكومية المصرية على التعامل بمنهجية واحدة مع كل ما يتم بثه على القنوات التلفزيونية من محتوى إعلامي أو فني، والتعامل معه بطابع أمني يصل حدّ السيطرة على عقول وتوجهات صانعي الدراما والسينما.

وأصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، قرارات مؤخرا بتشكيل ثلاث لجان لوضع معايير الأعمال الدرامية والبرامج الدينية وبرامج الأطفال، بالإضافة إلى سيطرة شركة واحدة على النسبة الأكبر من سوق الإعلام المصري (إعلام المصريين)، وتنبثق منها شركة إنتاج واحدة تتولى إنتاج مسلسلات الموسم الرمضاني المقبل (سينرجي).

وتبرهن هذه القرارات على أن المجلس يسير في اتجاه واحد وهو السيطرة على المحتويات المعروضة، رغم فشل تجربة سابقة بتشكيل لجنة لوضع معايير الأعمال الفنية ترأسها المخرج محمد فاضل، ثم تحولت إلى رقابة سابقة على الإبداع بالرغم من عدم قانونية الأمر، وانتهى الحال بها إلى الاستقالة، إثر تزايد الانتقادات.

ويقتصر موسم دراما رمضان المقبل في مصر على 13 مسلسلا فقط، ما أثار جدلا في الأوساط الفنية، وعبر الكثير من صناع الدراما عن غضبهم بشكل علني بعد أن وجدوا أنفسهم بلا عمل خلال الموسم الجاري، واعتبروا ما يجري يعبر عن رغبة في توجيه الأعمال الفنية، بحسب رؤية طرف واحد، هو الأمن المصري.

وقال نادر صلاح الدين، المؤلف والمخرج المسرحي، إن انكماش الموسم الدرامي من 70 مسلسلا إلى 13 مسلسلا، ينتج عنه تدمير صناعة الإنتاج الفني وإغلاق العشرات من الشركات وتشريد عدد كبير من العاملين في المجال الفني وبيع العديد من الفضائيات المحلية وهجرة الكفاءات.

وأضاف في تدوينة له على موقع فيسبوك، “سياسة تدخل ولي الأمر في المحتويات الفنية المقدمة لن تؤدي في النهاية إلى وجود محتوى متميز يستطيع جذب المشاهدين، كما أن تحديد مبالغ محددة كأجور للعاملين في المجال الفني تقضي على إمكانية خروج منتجين يستطيعون تمويل أعمال متميزة”.

وتسعى الحكومة إلى مواجهة الأفكار السلبية والمغلوطة المنتشرة على مواقع التواصل والمواقع الإلكترونية، والفضائيات التابعة لجماعة الإخوان في تركيا، بأدوات بدائية، كما أن سيطرتها المباشرة التي تفرضها تؤدي إلى نتائج عكسية، جراء العزوف عن وسائل الإعلام التابعة لها، ما يعني غياب دورها.

سياسة تدخل ولي الأمر في المحتويات الفنية لن تؤدي في النهاية إلى وجود محتوى متميز يستطيع جذب المشاهدين

وقالت نجوى كامل، أستاذة الإعلام السياسي بجامعة القاهرة، إن الأساليب المختلفة التي تتخذها الحكومة لتشكيل وعي المواطنين لم تعد صالحة للتطبيق، والمشكلة أنها تأتي بنتائج تدفع إلى الإيمان بأفكار مغلوطة، نكاية في حالة الملاحقة الفكرية التي تمارسها عليهم عبر سيطرتها على جميع منافذ الإعلام. وأضافت لـ”العرب”، أن الحكومة مازالت تغفل تغذية عقول التلاميذ في المدارس بالتحليل النقدي الذي يساعدهم على تشكيل وعيهم المجتمعي، وتدفع إلى اقتصار الأدوار على إلهاء الأطفال والشباب وقضاء أوقات فراغهم مع برامج ترفيهية.

وأوضحت أن هذا القصور يأتي في وقت تذهب فيه منصات إعلامية تحت سيطرتها إلى إهمال المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة ما يؤدي في النهاية إلى انفصال بين المواطن ووسائل تشكيل الوعي، بالتالي فإن الحملات التي تنطلق من خلالها وتهدف إلى التوعية بأخطار الإرهاب والمخدرات والكثافة السكانية تغذي الجانب المعرفي من دون أن تنتقل إلى التنفيذ السلوكي باعتبارها الهدف الأساسي لتشكيل الوعي.

ويذهب خبراء إعلام إلى أن تشكيل الوعي عبر الإعلام الحكومي أصبح أمرا مستحيلا، وهو ما تتعامل معه المجتمعات المتقدمة من خلال مسارين، الأول تشجيع الأطفال على الانفتاح على الآخر وتنظيم الفعاليات الثقافية المختلفة التي تجعلهم أكبر قدرة على التعامل مع التحديات التي يواجهونها.

والمسار الثاني عبر الارتقاء بالمحتويات الفنية والإعلامية وإقامة حوار مجتمعي بشأن القضايا المهمة التي تشغل الرأي العام وكيفية التعامل معها، من دون أن يكون هناك تدخل مباشر في مضمون المحتوى.

وتعتقد خيرية البشلاوي، الناقدة السينمائية، أن انتقال غياب الوعي من العامة إلى الصفوة ووصوله إلى الجهات القائمة على إنتاج وتقديم المحتويات الإعلامية يتطلب تدخلا على المستوى الحكومي لإعادة صياغة أولويات المرحلة الراهنة، لمعالجة الانحرافات التي تعاني منها بوصلة الاهتمامات، بعد اندفاع شركات الإنتاج نحو الأعمال التي يغلب عليها الطابع التجاري.

18