الوصاية على الشيعة.. ازدواجية إيران الموصوفة

الأربعاء 2016/01/13

لا تريد إيران أن تصدق أن المملكة العربية السعودية تحوّلت مؤخرا، ومنذ عاصفة الحزم، إلى سياسة حازمة وفاعلة تعتزم تحمّل نتائج ما تقوم به في السراء والضراء. فلطالما اعتادت إيران، التي تتصرف كقوة عظمى يحق لها ما لا يحق لغيرها، على العبث في العالم العربي دون رد يذكر، ما جعل حلفاءها يصفون العرب بالعاجزين الخانعين.

لكن منذ مطلع العام الماضي تُفاجئ ردود فعل العربية السعودية (التي يصفها بعض الإعلام الغربي القريب من حلف الممانعة بالمتهوّرة) إيران في كل مرة وتقلب رهاناتها. بحيث خرجت إيران عن طورها مؤخرا متخلية عن السياسات التقليدية التي تعتمدها ظانة نفسها صاحبة وصاية على الشيعة العرب “القصر بنظرها”. هذا مع الإشارة إلى رفض عائلة نمر النمر الانجرار خلفها. وأزاحت قناع الدولة الملتزمة بمعايير المجموعة الدولية واستعادت سلوكها الغوغائي على غرار الأحزاب السوفياتية، فأحرقت السفارة السعودية كرد على إعدام مواطن سعودي، فمن يعرف السلوك في إيران، يعرف أن لا أحد بإمكانه اقتحام سفارة فيها دون أوامر عليا أو بموافقة السلطات.

هذا ليس تسويغا لإعدام مجموعة من 47 شخصا في السعودية ومن بينهم الشيخ المعارض النمر، وبعيدا عن التصنيفات لا يمكن لمن يؤمن بحقوق الإنسان وبحرية التعبير سوى أن يدين الإعدام، وخاصة الإعدام ذو الطابع السياسي، ومن هذا المنظار أدين دون تردد أي إعدام سياسي.

لكن أن تعترض إيران صاحبة الرقم القياسي في الإعدام السياسي نسبة إلى عدد السكان، وهي تتبوأ المركز الثاني بعد الصين التي يفوق عدد سكانها المليار وربع المليار، أي أنها الأولى عمليا! فهذا ما يثير العجب.

ما يقال عن النظام السعودي لا يحجب أن النظام الإيراني هو الأكثر استبدادية في المنطقة بما لا يقاس. أما الإعدام عموما، والإعدام في السعودية وإيران (وأميركا أيضا) فليس جديدا ولا نادرا. وتنفذ عادة أحكام الإعدام بعد محاكمات علنية على الأقل في أميركا والسعودية.

أما في إيران فقد أوردت منظمات حقوقية دولية أن حالات الإعدام بلغت مع نهاية العام 2015 أكثر من ألف حالة. وأشارت المنظمة إلى أن السلطات الإيرانية تقر عددا معيّنا من حالات الإعدام القضائية، لكن العدد الحقيقي لمن يتم إعدامهم يتجاوز الرقم المعلن بكثير. وقال المقرر الخاص في الأمم المتحدة أحمد شاهد في 28 أكتوبر الماضي، إن إيران أعدمت 289 شخصا خلال عام 2014 فيما قالت منظمة العفو الدولية إن العدد الحقيقي بلغ 743 شخصا. وأضاف أن “معظم أحكام الإعدام تنتهك القوانين الدولية التي تحظر استخدام عقوبة الإعدام في جرائم غير عنيفة وبحق الأحداث”.

ينبغي على من يعترض أن يمتلك الحد الأدنى من القيم والأخلاقيات.

لقد ظلت إيران لأكثر من 5 سنوات تتعامل مع النمر كبطل يجب إنقاذه من براثن السعودية. عظّمت من شخصه وسائل إعلامها وجعلت منه أيقونة مطالبة بالإفراج عنه، وهو المواطن السعودي، ومحذرة من الرد ضاربة عرض الحائط بسيادة الدول. تتجاهل إيران أن انعدام الشفافية يميزها عن غيرها وأن توقيف الصحفيين من عاداتها، فهل نسينا اختفاء المواطن اللبناني نزار زكا الذي لبى دعوة رسمية لطهران من أحد مستشاري الرئيس الإيراني واختفى أثره قبل أن يتبيّن أنه معتقل وهو مجهول المصير حتى الآن، فكيف لهم أن يتحدثوا عن حقوق الإنسان؟ كما ابتعدت إيران عن صورتها في مطلع الثورة في العام 1979.

لم يكن منتظرا أن يكون مصير الثورة الإيرانية إلى ما آلت إليه. الثورة ضد استبداد الشاه كانت واعدة بحيث لم يبق ديمقراطي أو يساري أو ليبرالي لم يؤيدها. تحولت ببطء من ثورة ديمقراطية، على ما افترض، إلى إسلامية بعد أن قضت على كل صوت يساري أو ديمقراطي، لكن التقية وازدواجية سياساتها والحصار الإعلامي التي أحاطت نفسها به والسياسة اللاإعلامية التي اتبعتها مستخدمة الأساليب السوفياتية في البروباغندا و”الغوبلزية” في التعمية، عبر مصادرتها القضية الفلسطينية بالمزايدة على الدول العربية وعبر دعم خط الممانعة. ولم ينكشف وجهها الحقيقي سوى مؤخرا بسبب الثورات العربية وموقفها المتبدل المزدوج (ومع ذلك لا تزال شرائح واسعة من اليساريين وغيرهم يساندونها، إنها آلية التماهي مع المعتدي). ولو لم تنفجر الثورة السورية لاستطاعت إيران استكمال خطتها في تخريب العالم العربي وتفجيره بصمت.

تتخبط إيران في خياراتها الأيديولوجية، وتحول الصراع مع السعودية والعرب إلى صراع ديني سني شيعي من خلال تنصيب نفسها وكيلة الدفاع عن الإسلام والممثلة الحصرية له. فيعلن بعض مسؤوليها أنه “دين بدو وعربان” مطلوب تغييره على صورتها الحضارية التي اكتشفت مؤخرا أنها فارسية. والمواطن العربي، السني والشيعي، ينخرط بخنوع في الصراع لتحويله من سياسي إلى سني شيعي معلنين حرب النكايات.

تتخبط إيران على عدة مستويات وتعاني من تناقض على مستوى الهوية القومية – الدينية (ازدواجية هوية فارسية – إسلامية) وعلى مستوى الدولة – الثورة، أو الدولة – الحزب والمخابرات.

الإشكالية الأولى التي تعاني منها إيران هي إشكالية الهوية القومية التي كانت دائما متنافرة، فهي كبلد متعدد الإثنيات واللغات (في إيران 75 لغة حية) عانت دائما من صعوبة في استيعاب مختلف هذه الهويات. من أجل استقرارها عليها أن تبحث عن المشترك عبر هوية وطنية جامعة لكنها ستواجه عندها بهيمنة الثقافة والعنصر الفارسيين، خصوصا بعد أن سقط الخطاب الإسلامي المثالي الذي كانت تتذرع به بعد تأرجحها بين الخطاب الشيعي والخطاب الفارسي الهاذي باسترجاع مجد الإمبراطورية البائد.

فعلى مدار القرن العشرين أدى بروز الخطاب الإسلامي إلى جانب الخطاب القومي، إلى تجاذب في الهوية. ذلك أن جزءا من الخطاب القومي في الحقبة البهلوية، الذي أراد تمكين النظام الملكي، بني على أساس من تمجيد التراث ما قبل الإسلامي، واعتبر الثقافة واللغة الفارسية كجزء أصيل من الهوية الإيرانية متضمنا مشاعر معادية للإسلام.

حاول الخميني الابتعاد عن خطاب الهوية القومية ومحاولة فرض الخطاب الإسلامي مع موقف معاد للقومية كمنتج من منتجات الغرب.

لكن التيار القومي يستعيد خطابه تدريجيا مستخدما ستار الشيعية أحيانا ما أسهم في تصاعد الانقسام داخل الإسلام مؤججا الصراع السني الشيعي، ويزداد ارتباط الدين بالهوية الإثنية واللغوية في وقت يتصاعد فيه قمع السنة ومن يطالبون بفصل الدين عن السلطة في وقت اقتراب موعد خلافة خامنئي. فأي إيران ستتغلب؟ إيران الإسلامية أم الشيعية؟ القومية الفارسية أم الإيرانية الجامعة؟

هذا إلى جانب التناقض الآخر الذي يسم الحكم الإيراني كأي دولة تتحكم فيها الأيديولوجيا على غرار الاتحاد السوفياتي.

فالتخبط الإيراني بين رغبتها في قيادة العالم الإسلامي نحو الثورة الإسلامية، وبين اعتمادها على شيعيتها لاستغلال الشيعة العرب وتوظيفهم لخدمة مشاريعها التوسعية. تعيد تذكيرنا بالسياسة السوفياتية والأحزاب الشيوعية التي كانت تستخدمها في مختلف المناطق. وهي على شاكلتها تعتمد، إضافة إلى الدبلوماسية التقليدية، وسيلة التخريب والإرهاب والانقلابات في جميع البلدان التي لها فيها سند من مجموعات شيعية تابعة ولاحقة بها.

هناك من يعتبر إيران مكانا خطرا يتم فيه تعقّب الدبلوماسيين، والسفير الذي يقوم بدوره ويرسل التقارير حول ما يحدث في إيران، يُعرّض وظيفته بل حياته للخطر. طرق غريبة وحوادث تقنية قد تؤدي إلى موت الدبلوماسي وفريقه. يصل الأمر إلى نصيحة بالامتناع عن التواصل مع “الدبلوماسيين” الإيرانيين في العالم العربي “الذين جميعهم، دون استثناء، تابعين للاستخبارات وحرس الثورة”. ناهيك عن الصحفيين الذين ليسوا أكثر من جواسيس في نظرها.

لكن أخطر ما يحصل يكمن في جعل العنف والقتل جزءا من حياتنا الطبيعية، بحيث لا يتورع البعض عن الشماتة بموت البشر والأطفال جوعا في مضايا عندما يكونون من “الطرف الآخر”. الخطر في تواجه الكثير من السنة والشيعة كأعداء ألداء في علاقة مسمومة متبادلة.

كاتبة لبنانية

8