الوصاية على حرية التعبير

الخميس 2015/05/21

ريم ماجد.. إعلامية متقدمة مهنيا وإبداعيا، تعرفت عليها خلال دورة تدريبية في الإعلام المرئي بالقاهرة، لم تكن مجرد أستاذة بقدر ما كانت نموذجا للإعلامي الذي نحتاجه بكل شموله الفكري والأدائي، أذكر لها جيدا قولها إن الإعلام ينبغي أن يهتم بالشارع وليس المسؤول، ولا حاجة لبرنامج تلفزيوني باستضافة مسؤول معلوم الدور والتوجهات، وإنما الحاجة الأهم هي عكس نبض الشارع وقضاياه وهمومه ومشكلاته حتى تجد طريقا الى أي مسؤول من واجبه التعامل مع ذلك.

ريم منطقية في فكرها الإعلامي إلى حد بعيد، لا أجاملها أو انحاز إليها بمسوغات عاطفية، وإنما ذلك واقعها، والموضوعية تقتضي أن تكون من الإعلاميين الذين يسهمون في تنوير الرأي العام وتشكيله بوعي من صميم فكر مستنير وهادف كما تفعل هي، ولذلك دهشت جدا لقرار إيقاف برنامجها “جمع مؤنث سالم” مؤخرا والذي بدأ العرض في أبريل الماضي وتوقف قبل بث الحلقة الثالثة منه على فضائية “أون تي في” المصرية ليواصل البث في فضائية “دويتش فيله” الألمانية.

البرنامج لمن لم يشاهده يسلط الضوء على بعض النماذج المتميزة للمرأة المصرية ودورها في محيطها الاجتماعي المباشر، كما يعطي صورة حية وفريدة عن المجتمع المصري، من خلال عيون نساء متميزة وحاضرة في ذاكرة المصريين بمختلف أطيافهم ودياناتهم، ذلك يبدو أنه كان أعلى من سقف حرية التعبير المتاحة في بعض الدول، فقد تم إبلاغها من قبل إدارة المحطة أن هناك ضغوطا من جهة سيادية لوقف البرنامج.

ذلك التبرير لا يصلح في هوامش إعلامية يفترض التزامها بمبادئ حرية التعبير في الطرح الإعلامي، فهو عين الوصاية والمصادرة المتعسفة للحق الإعلامي في النشر والبث، وهو للمفارقة الأمر الذي لم يعد متاحا في عصر العولمة والانفتاح، فلم يعد هناك مجال لتفصيل طرح إعلامي على قياس جهات ما، ذلك يصبح مكشوفا وفاضحا، وينطوي على اعتداء مذموم على الحريات والحقوق، ليس على الإعلامي وإنما المواطن.

ريم الإعلامية الأستاذة لم تتعامل في الواقع برد الفعل وإنما صرحت حينما تأكدت من قرار “الجهة السيادية” بأن الوصاية الحقيقية عند المنع تفرض على المشاهدين أكثر من الإعلامي، وأن منع أي برنامج يمثل اعتداء على حق المواطنين في المعرفة والاختيار، وذلك هو الواقع الذي يتناسب مع أي حالات اعتداء على حرية التعبير التي لا تقبل المساس بها وإلا كانت النتائج عكس التوصيات والقرارات التي تصدر من علٍ.

حرية التعبير في عالم مفتوح.. أصبح ذلك عنوانا لكتاب مهم من تأليف رودني سموللا، يؤكد فيه أنه لا يمكن السيطرة على أي طرح إعلامي، والأساليب التقليدية التي تأتي من قرارات بـ”جرة قلم” أصبحت بالية، وذلك يعيدنا إلى نظرية الرصاصة السحرية في الإعلام، فالكلمة إذا خرجت لا يعوقها أمر عن الوصول إلى المتلقي، وإذا صدر قرار ما بمنع أو إعاقة برنامج فإن ذلك يصبح بمثابة صب المزيد من الوقود على حريق.

لا شك أن حرية التعبير تضررت في أكثر الدول تقدما لأسباب تتفاوت بين الأمني والقمعي، إلا أن كل التجارب لم تنجح في التضييق، ذلك بدأ منذ عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون حينما تعامل مع الصحفي دانييل إيلسبيرغ في “نيويورك تايمز” بغلظة حين قام بتسريب تسجيلات ووثائق تتعلق بأداء البيت الأبيض في فيتنام وكمبوديا، وقرر الرئيس حينها أنه لم يعد متاحا التعامل بلطف مع الإعلام، أي قمعه بالسلطة السياسية، فكان أن دفع الثمن متنحيا، ولذلك يمكن الجزم بأن إيقاف برنامج ريم سلوك قمعي ضد حرية التعبير لا يتوقع معه أن يمر على السلوك السياسي بلطف.

كاتبة سعودية

8