الوصفة الطائفية في المسألة العراقية

السبت 2014/01/04

يتهم رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي خصومه السياسيين بالنزعة الطائفية. وهو يقصد خصوما بعينهم. أي أن ذلك الاتهام لا يشمل جميع الخصوم، وبالأخص حين نعرف أن أفراد الطاقم السياسي الذي جلبه المحتل الأميركي معه لإدارة شؤون العراق محلياً باتوا اليوم بدرجة أو بأخرى أقرب إلى الخصومة منها إلى المشاركة، بعد أن استبعدهم المالكي واحداً تلو آخر.

خصوم المالكي يحيطون به اليوم من كل الجهات وقد نفد صبرهم وهم يعدون الأيام المتبقية من ولايته الثانية، في انتظار أن تتاح لهم الفرصة لطي واحدة من أكثر صفحات العراق السياسي هزالاً وفساداً. فالمالكي الذي لم يتقدم خلال ثماني سنوات متلاحقة من حكمه خطوة واحدة في اتجاه إقامة حياة سياسية سوية، يكون فيها انتقال السلطة ديمقراطياً أمراً ممكناً، كان قد أضفى على نظام المحاصصة الطائفية لمسات شخصية، نقلت ذلك النظام من مستوى الإصابة الشخصية العارضة إلى مستوى المرض العام المزمن.

بالنسبة إلى رجل تربى في أقبية وسراديب حزب الدعوة المظلمة، مثل المالكي، ما من شيء، ما من واقعة، ما من سلوك إلا ويحضر مشتبكا بأسبابه ودوافعه الطائفية. ومَن تتاح له فرصة الاطلاع على الأدبيات الحزبية التي هي المصدر الوحيد لثقافة الرجل لابد وأن يدرك أن تقسيم العالم على أساس مذهبي يكاد يكون العمود الفقري لبنية الحزب، كان من سوء حظ العراقيين، وهم ورثة تاريخ من التعدد والتنوع العرقي والمذهبي، أن يقعوا تحت سيطرته.

لا المالكي ولا حزبه بإمكانهما أن يفهما ما الذي يعنيه عراق متعدد الأعراق والمذاهب والأديان. فالعمل السياسي- من وجهة نظرهما- لا يهدف إلا إلى تعزيز عزلة طائفة بعينها عن باقي مكونات المجتمع، ولن يهدف ذلك العمل بالضرورة إلى خدمة تلك الطائفة وتعزيز موقعها في النسيج الاجتماعي.

ذلك المبدأ، وهو مبدأ ثابت وجوهري في فكر حزب الدعوة، هو ما يجعلني على يقين من أن المالكي لا يقوى على إدارة بلد إلا إذا كان ذلك البلد منقسما على نفسه طائفياً وعرقياً. وهو الواقع الذي سعى رئيس الحكومة العراقية إلى أن يضعه موضع التنفيذ، بعد أن رسم الاحتلال الأميركي خرائطه، مستفيداً من الفراغ السياسي الكامل لذي خلفه سقوط النظام السياسي وانهيار الدولة العراقية.

لقد استبدل المالكي ومعه حفنة من السياسيين الموالين للاحتلال مفهوم الدولة التي تستوعب الجميع وترعى مصالحهم وتسيّر شؤونهم بمفهوم دولة المكونات، التي تحتكر عملياً باسم الطائفة الأكثر عدداً ثروات البلد لتوزعها نظريا على الطوائف، وفق النسبة السكانية لكل طائفة.

في الجزء النظري كان الإقليم الكردي وحده المستفيد من حصته في ثروات العراق، حيث كان الكرد حريصين على استقطاع الجزء الذي خصص لإقليمهم من تلك الثروة، أما باقية مكونات الشعب العراقي فقد أُسقط حقها في تلك الثروة من خلال الصفقات المشبوهة التي كانت ولا تزال تتم تحت شعار إعادة إعمار البنية التحتية لبلد دمرته الحروب المتلاحقة، بينما هي في حقيقتها وسيلة للإثراء غير المشروع من خلال نهب منظم لتلك الثروة وتهريبها إلى بلدان صارت تشهد ظهور طبقة جديدة من الأثرياء العراقيين الذين كانوا إلى وقت قريب يعيشون فيها مستفيدين من نظام الرعاية الاجتماعية. لن يكون غريبا أن أولئك الأثرياء الجدد من المنتمين إلى الأحزاب الطائفية، هم ممن لا يخفون نزعتهم الطائفية، وممن يدعون إلى الاستمرار في حفر الخنادق التي تفصل بين مناطق العزل الطائفي في العراق.

لقد كانت الطائفية وصفتهم الناجعة لإلهاء الشعب العراقي بصراع مأساوي لن يخرج منها إلا مدمر وفقير ومسحوق ومذل، في الوقت الذي تهرب ثروته جهاراً لتستقر في المصارف الدولية في حسابات سياسيين هواة، كان المحتل الأميركي مدركاً لحجم الضرر الذي سيلحقه فسادهم بالعراق وبشعبه فاختارهم ليخلفوه.

وهكذا تكون طائفية المالكي هي نفسها طائفية خصومه من جهة الهدف الذي تسعى إلى تكريسه: شعب لا يكتفي بفقره وجهله وعزلته عن العالم وضياع ثرواته وتدني مستوى الخدمات الأساسية التي تقدم له، بل يضيف إلى ذلك هلعاً طائفياً تجسده مشاهد الطقوس والشعائر الدينية التي صارت بمثابة مفردات يومية لتكريس كارثة العزل الطائفي.

كاتب عراقي

9