الوصول إلى مدينة القطن: ميشال بيتور في مصر

الأحد 2016/09/11
عاش ميشال بيتور في مصر واحدة من أعظم تجاربه المبكرة

كان الكاتب ميشال بيتور الذي توفي في الرابع والعشرين من شهر أغسطس الماضي، في الخامسة والعشرين من عمره، لمّا انطلق إلى مصر لتدريس اللغة الفرنسيّة في مدينة المنيا، مدينة القطن. ففي تلك الفترة، مطلع الخمسينات من القرن الماضي، كانت وزارة المعارف المصريّة التي كان على رأسها عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين، قد قرّرت تدريس لغة موليير في معاهدها الثانويّة. لذلك طلبت من فرنسا تزويدها بمدرسين. وكان ميشال بيتور أحد هؤلاء. وبعد مضيّ سنوات طويلة على إقامته القصيرة (8 أشهر) في بلاد النيل، كتب نصّا مفعما بالشاعريّة، والحنين، مستعيدا ذكرياته فيها. وقد نشر هذا النص الذي حمل عنوان “مصر“، في كتابه “عبقريّة المكان” الصادر عن دار “غراسيه” الباريسية، ضمن سلسلة “الكراسات الحمراء“، متضمّنا نصوصا عن أماكن ومدن أخرى، مثل قرطبة، وإسطمبول، وسالونيك، وفيراري، ومانتو…

وفي بداية هذا النص، كتب ميشال بيتور يقول “كانت مصر بالنسبة لي بمثابة وطن ثان، وتكاد تكون ولادة ثانية حدثت بالنسبة لي في هذا البطن الممدّد ممتصّا بفمه الذي هو الدلتا البحر المتوسط، والحضارات التي توالت عليه، مدّخرا، ومازجا إيّاها في تخمّره البطيء“.

عند وصوله إلى القاهرة إثر رحلة شاقّة نزل ميشال بيتور في فندق “لونا-بارك” الذي ينفتح على ساحة مثلثة حولها فوّارة ماء صاخبة. ولمّا ذهب إلى وزراة المعارف، قال له الموظف “ستذهب إلى المنيا.. أنت محظوظ.. فهي مدينة كبيرة بها عمارات جديدة، وشركات قطن ضخمة، وبها ناد رياضيّ بملاعب جميلة للكروكي.. وهي ليست بعيدة جدا عن القاهرة.. سترى .. سوف تكون إقامتك فيها مريحة وممتعة.. جميع الذين أرسلتهم إلى هناك، سعداء“.

اكتفى ميشال بيتور بالسكن في شقة بائسة ليس فيها غير سرير من حديد. وكان عليه أن يبذل جهودا مضنية للحصول على طاولة للكتابة والقراءة. وقد لاحظ أن زملاءه المصريين الذين يدرّسون معه في نفس المعهد، يقيمون هم أيضا مع عائلاتهم في شقق ضيقة تكاد تكون خالية من الأثاث. وهم يعلّقون ثيابهم على مسامير مثبتة على الجدران

ويشير ميشال بيتور إلى أنه لاحظ حال وصوله إلى هناك، أن المنيا (في العهد الفرعوني كانت تسمى: منه خوفو) كانت في ذلك الوقت، مدينة في طور النشوء والاتساع. وكانت تتجدد ببطء وسط الغبار. حولها حقول من القمح والقطن، يسقيها الشادوف، ومنها يتعالى في الليل الغناء الحزين لحارسها. وعلى النحو التالي، يصف ميشال بيتور، نساء المنيا “في فساتينهنّ المصنوعة من القطن الأبيض، والتي أصبحت رماديّة أو بنيّة مثل طاقياتهنّ من اللبد، ومثل التراب، ومثل مياه النيل، ومثل البشرة، أو مثل عيونهنّ، كانت النساء المغطيات بحجاب أسود يكشف عن أقدامهنّ العارية، والذي كنّ يرفعنه عندما يدخلن إلى الماء لملء جرارهن المضيئة والمساميّة التي يحملنها على رؤوسهنّ باردة، وبين الحين والحين، يغطين وجوههنّ الضاحكة بذيل من حجابهن الطويل“. وأما الأطفال ذوو العيون المتقيّحة، فهم ضحية الذباب اللجوج الذي يغطي وجوههم معظم الوقت. وفي الحقول، كانت هناك أحمرة، وقطعان من الخرفان، وجواميس سوداء ضخمة، وأحيانا إبل تمدّ أعناقها الطويلة متشمّمة الهواء. وعلى مسافة قريبة من المنيا، تصبح الأرض جدباء. فلا شجر ولا حياة، فقط الصمت والوحشة الثقيلة المفزعة.

وقد اكتفى ميشال بيتور بالسكن في شقة بائسة ليس فيها غير سرير من حديد. وكان عليه أن يبذل جهودا مضنية للحصول على طاولة للكتابة والقراءة. وقد لاحظ أن زملاءه المصريين الذين يدرّسون معه في نفس المعهد، يقيمون هم أيضا مع عائلاتهم في شقق ضيّقة تكاد تكون خالية من الأثاث. وهم يعلّقون ثيابهم على مسامير مثبتة على الجدران.

والغرفة الواحدة يتقاسمها اثنان، أو أكثر من ذلك. وفي المعهد وجد ميشال بيتور نفسه أمام أربعين فتى تتراوح أعمارهم بين الرابعة عشرة والعشرين. ولم يكن من السهل عليه حفظ أسمائهم، ولا كتابتها بشكل صحيح. ورغم أن البعض منهم زعموا في البداية أنهم تعلموا شيئا من اللغة الفرنسيّة، فإنه سرعان ما تبيّن أنهم جميعا يجهلون هذه اللغة جهلا تاما، بحيث لا يقدر أحد منهم أن يكتب حرفا واحدا من حروفها. وبعد أن تأكدوا أنهم عاجزون عن تعلم الفرنسيّة، أصبح التلاميذ يتجمعون في الأركان الخلفيّة لقاعة الدرس ليلعبوا الورق! ولم يكن باستطاعة ميشال بيتور أن يمنعهم من ذلك. وكان عليه أن يتحمل الصخب الذي يحدثونه أثناء اللعب، مانعا نفسه من الاستنجاد بالشرطيّ الذي كان يتجول طوال الوقت في المعابر ملوّحا بعصاه الغليظة، ومظهرا استعدادا فوريّا لمعاقبة المخالفين لقوانين الدراسة. بل يحدث أن يتخاصم اثنان داخل القاعة، وتسيل الدماء غزيرة!

"عبقرية المكان"

ويشير ميشال بيتور إلى أن أغلبية سكان المنيا مسلمون، غير أن عددا قليلا منهم كانوا يظهرون التعصب والتزمت، والتمسك بالقواعد الدينيّة الصارمة. أما البقيّة فيرتادون الحانات، ولا يؤدون الصلوات الخمس، بل قد لا يصومون رمضان. وفي المنيا، هناك أيضا بضع كنائس قبطيّة، وعادة ما تشتعل المعارك حامية الوطيس بين الأقباط الأورثوذوكس، وهم الأغلبيّة، وبقية الفرق المسيحية الأخرى خصوصا خلال الاحتفالات الدينية الكبيرة.

وقد لاحظ ميشال بيتور أن سكان المنيا يحتفظون بالبعض من التقاليد التي كانت سائدة في العهود الفرعونيّة. فعندما يقبل الربيع، يفضلون السهر خارج بيوتهم، مرتدين ثيابا جديدة. وعلى الأبواب يعلقون باقات من الزهور، ومن الثوم. وتتعطر المدينة بروائح شذيّة تدلّ على السعادة وعلى فرحة الحياة. وغالبا ما يستغل التلاميذ الاحتفالات الشعبيّة التي تكثر في هذا الفصل، لكي يهجروا الدروس. وهم لا يفعلون ذلك للتمتع بمباهج الاحتفالات فقط، بل هربا من خوض امتحانات آخر السنة الدراسية التي ترعبهم كثيرا.

وفي المنيا، دخّن ميشال بيتور لأول مرة الحشيشة التي يدمن عليها الكثير من السكان خصوصا الشبان منهم. وكان يعجبه أن يفعل ذلك في الليل، وقد انتعش الهواء القادم من نهر النيل، وفي السماء الخالية من السحب، تتلامع النجوم. ومن الأبواب أو النوافذ المفتوحة، تتعالى ضحكات الصبايا العاشقات. ومن حين إلى آخر، يمرّ شرطيّ بطربوشه الأحمر. ويختم ميشال بوتور نصه عن مصر بهذه الفقرة البديعة التي يصف فيها زيارته إلى الأهرامات “كانت السماء قد بدأت في الهبوط، متعجلّة سقوطها. ركبنا ظهور حميرنا، ملقين أمامنا ظلالا مديدة على الأرض الحمراء، مثل البوابات الضخمة لهيكل رمسيس الثاني على يميننا، ومثل تماثيل منمنون على يسارنا، وشعرت بسعادة خارقة إذ أنّ -نعم حدث ذلك- شيئا ما من العالم انكشف لي بطريقة غامضة، إلاّ أنه انكشف لي بيقين مطلق لن يتخلى عنّي أبدا، وهذا الألم الخفيف الذي أحسّ به بين فقْراتي، وهذا التعب الذي داهمني فجأة، هما الضامنان لذلك. كان الليل قد هبط منذ وقت طويل عندما بلغنا ضفّة النهر. وكان صاحب الزورق يتذمّر. متى أعود إلى مصر؟“.

كاتب من تونس

15