"الوصية".. مسلسل مصري ينتج من الهزل دراما راقية

مسلسل "الوصية" يحمل لغة كوميدية طريفة ذات جاذبية في أوساط الشباب الذين يعدون الجمهور المستهدف في المقام الأول لدى صناع الكوميديا الجدد.
الخميس 2018/08/23
بهجة في الصورة والمحتوى

“ستجد الحياة ما زالت جديرة بالاهتمام فقط إذا كنت تبتسم”، هكذا تحدث شارلي شابلن عن أهمية الضحك الذي كان قضيته الأهم في كل أفلامه دون أن يجد من يشكّك في قدراته المذهلة على رسم الابتسامة على وجوه متابعيه حتى الآن، وفي العالم العربي فقط نجد أن إضحاك الناس قد يصبح تهمة تصل إلى حد الجريمة عند بعض النقاد الذين يضعون الدراما الكوميدية في درجة أقل من الأعمال الأخرى.

القاهرة- يصنف النقاد العرب الأعمال الدرامية التي تتناول قضايا سياسية أو اجتماعية باعتبارها الأفضل والأرقى، أما التي لا هدف لها إلاّ الضحك فهي كوميديا درجة ثانية أو ثالثة، وتوصف دائما بالهابطة والمبتذلة والمسيئة للتراث الكوميدي، مع أن جزءا من أجمل ما في هذا التراث هو الأعمال الهزلية التي قدّم بعضها الظاهرة إسماعيل ياسين وعبدالمنعم مدبولي ثم سمير غانم.

دعابة طازجة

في مسلسل “الوصية” الذي لاقا نجاحا كبيرا أثناء عرضه للمرة الأولى في رمضان الماضي، ويعاد عرضه حاليا على قناة “سي. بي. سي” في مصر، نحن أمام فريق عمل يثق في قيمة وأهمية العمل الكوميدي الذي لا هدف له إلاّ الضحك ويؤمن بأن قدرات أفراده على إضحاك المحبطين ممّن أنهكتهم الحياة بمشاكلها وهمومها وتحويل جزء من تصرفاتهم لكي تخرج منه أطرف النكات واللقطات على الشاشة، عمل يستحق العناء ليخرج بصورة طبيعية متناغمة الأحداث ومتسقة الشخصيات.

وهذه الرؤية والحماس للأعمال الكوميدية المبهجة التي لا تخرج دعاباتها الطازجة عن اللياقة والآداب وأحداثها عن العقل والمنطق، يجسد شخصياتها كوميديون يتصرفون بخفة ظل طبيعية يمتلكونها في الواقع وليس على الشاشة فقط.

وتلك الثقة والوعي بأهمية الضحك من أجل الضحك فقط بلا رسائل ضخمة أو أهداف كبرى كلمة السر في شعبية مسلسل “الوصية” الذي يحمل لغة كوميدية طريفة ذات جاذبية في أوساط الشباب الذين يعدون الجمهور المستهدف في المقام الأول لدى صناع الكوميديا الجدد، باعتبارهم ليسوا فقط مشاهدي دراما، بل الجمهور الأهم سينمائيا ما يجعل التواصل الناجح معهم مفتاح الدخول إلى عالم السينما.

مؤلفا المسلسل ابتكرا شخصيات كثيرة وجميعها من الواقع، والمخرج تفنن في اختيار ممثلين يضيفون لأدوارهم

وهذه اللغة الكوميدية التي تتدفق مفرداتها المستحدثة نتيجة المواقف المليئة بالارتباك في أحداث المسلسل وسوء التفاهم بين شخصياته، وتعدد الحوارات الجدلية التي تضج بالضحك بين بطلي العمل الفنان أكرم حسني الذي يقوم بدور “إبو” الشاب المدلل الذي يسعى للحصول على ثروة والده ويكتشف في نهاية الحلقات أنه ليس ابنه الحقيقي، والفنان أحمد أمين الذي يجسد شخصية “سمسم” ابن الخادمة الذي يتفانى في مساعدة إبو للحصول على الثروة لينال نصيبه منها.

كوميديا بها الكثير من روح المشاهدين العاديين الذين نراهم يوميا في حياتنا، وقد نحت العمل المؤلفان مصطفى حلمي الذي شارك في كتابة الجزء الثالث من مسلسل “الكبير أوي” و”العملية مسي” و”اللالالاند” وفيلم “صنع في مصر”، وأيمن وتار، وهو أحد كتاب ونجوم برنامج “البرنامج” مع المذيع باسم يوسف الذي توقف برنامجه في مصر، وكتب كذلك أفلام “أبله طم طم” و”خلاويص” و”الكويسين” ومسلسل “هربانة منها”.

تبدو شخصيات المسلسل قريبة من نماذج كثيرة مماثلة بين المصريين، ونجد المكتئب والتافه والطموح بلا أساس حقيقي تستند عليه طموحاته، والمريض النفسي والبلطجي والفتاة المسترجلة وغيرها الكثير من الشخصيات التي برع الكاتبان في رسمها بخفة ورشاقة وتناغم ملموس بينها.

ومنحت فكرة العمل الرئيسية الفرصة لابتكار العديد من الشخصيات الدرامية والأحداث الكوميدية المتدفقة بسلاسة خلال رحلة البحث عن الأيتام بعوالمهم المختلفة وأمانيهم المتنوعة.

وتدور الأحداث حول الشاب إبو الذي يريد تنفيذ وصية والده، ويقوم بدوره الفنان بيومي فؤاد، صاحب شركة الحلويات بالبحث عن أطفال دار أيتام كان طردهم منها قبل سنوات لبناء مصانعه، ويريد أن يعوّضهم بتحقيق أمنياتهم.

رحلة تنفيذ الوصية

وجود شخصيات ساندت بطل العمل الفنان أكرم حسني في رحلة تنفيذ الوصية لم تقل عنه جاذبية، مثل شخصية صديقه سمسم التي جسدها الفنان أحمد أمين، والمديرة التنفيذية للشركة شاهي طاز وقامت بدورها الفنانة ريم مصطفى، ومحامي الشركة الفنان أحمد حلاوة، وخادمة دار الأيتام الفنانة عارفة عبدالرسول، التي أعطت للعمل زخما دراميا.

ولم يعتمد المسلسل في نجاحه على الأوراق المكتوبة فحسب، إذ تمكن المخرج خالد الحلفاوي من بلورة صورة مبهجة ومشرقة التفاصيل، وذات حس فكاهي لا تشغل المشاهد في التركيز معها عن النص باعتباره مركز قوة العمل، وأهم تلك التفاصيل الديكورات والإكسسوارات والأضواء ومواقع التصوير المتعددة التي تطلبت عناية بالغة في تنويعها مع كل يتيم يلتقي به بطلا العمل، وجاءت الملابس كعنصر مساعد لبعض شخصيات العمل وأبرزها سمسم وشاهي طاز.

وتتجسد براعة خالد الحلفاوي كمخرج في اختياره الجيد للممثلين المساعدين لبطلي العمل، فالفنانة ريم مصطفى، والتي قامت بدور مديرة شركة الحلويات التي لا تجيد الحسابات تماما، يتضح في النهاية أنها الابنة الشرعية لصاحب الشركة، وقد بدت ممثلة مجتهدة وقدّمت دورها بسهولة ولم تخض معارك لتثبت أنها كوميديانة منافسة لأكرم وأمين، ما منح حضورها على الشاشة حميمية لدى الجمهور.

وأحمد حلاوة فنان كوميديا نادر الإمكانيات، ويمنح الكثير من الحيوية لأي دور يسند له، إلاّ أنه لا يملك دائرة علاقات عامة كبيرة “شلة” تسهل له الحصول على أدوار أكثر ومساحات حضور أوسع يستحقها، أما عارفة عبدالرسول، فهي إحدى نجمات أفلام السينما المستقلة، وقدّمت نفسها ككوميدية جيدة تملك مفردات أداء خاص تؤهلها للبروز في الكثير من الأعمال المقبلة، كامتداد للفنانة المخضرمة إنعام سالوسة.

وتبقى الشخصيات الخاصة في المسلسل على درجة عالية من الإجادة، وأبرزها محمد جمعة الذي جسد شخصية عامل البوفيه المتشائم دائما “عم ضياء” الذي تحوّلت عبارته في العمل “كله رايح” إلى جملة رائجة بين الشباب، وأيضا خالد كمال في دور “لبوسة” منافس إبو على امتلاك الشركة، قدّم دوره بطريقة كاريكاتورية مغايرة.

هذه الرؤية والحماس للأعمال الكوميدية المبهجة التي لا تخرج دعاباتها الطازجة عن اللياقة والآداب وأحداثها عن العقل والمنطق، يجسد شخصياتها كوميديون يتصرفون بخفة ظل طبيعية

وينتمي أكرم حسني إلى المدرسة الكوميدية غير المنضبطة التي تطلق العنان لنفسها لتقدّم أدوارها بلا تمثيل، وتمزج بين مجموعة من المتناقضات، ويخرج الدور توليفة بها الكثير من التلقائية، وهذا لا يقلل من إمكانياته كممثل تمكن من خلق شخصية بعيدة تماما عن شخصيته المعروفة “سيد أبوحفيظة” الذي قدّمه في الكثير من البرامج، وامتدت لفترة، وعند اتجاهه للدراما قرّر الانفصال عن هذه الشخصية ليتيح لنفسه فرصة لإثبات الذات بعيدا عن شبح نجاحات أبوحفيظة السابقة.

وأعلن أحمد أمين في أول أدواره الدرامية عن شخصيته الفنية، من حيث الشكل والمضمون، فخبرته كمؤلف كوميدي للكثير من الأعمال أشهرها مسلسل “كابتن عزوز” و”بسنت ودياسطي” مكنته من الوقوف أمام أكرم، وشكلا ثنائيا متناغما.

يبشر مسلسل “الوصية” بتسيّد جيل جديد من المؤلفين والمخرجين، بل والممثلين الساحة الكوميدية المصرية، حيث اهتم بالخروج عن جميع الأطر المألوفة للكوميديا، فكلما تمكن الناس من وضعه داخل إطار كوميدي محدّد بناء على القواعد التي وضعوها في بعض أعماله، تمكن من كسر القواعد الصارمة وتقديم أشكال كوميدية جديدة.

وتعد جماهيرية المسلسل الواسعة مؤشرا على انتهاء موضة كوميديا “السيت كوم”، وكوميديا “الاسكتشات” و”الأفيهات” أو النكات ثقيلة الدم والتي لا تحتوي على نص أو أفكار محدّدة الملامح، كما تؤكد أن الجمهور يحتاج المسلسلات الهزلية ويحترمها طالما تمكنت من إمتاعه فنيا وإضحاكه من القلب.

16