الوضع الأمني المتردي في ليبيا يستدعي تدخلا عربيا عاجلا للحد من الإرهاب

الجمعة 2014/09/12
مجموعة تابعة لتنظيم أنصار الشريعة في ليبيا في تظاهرة لدعم ما يسمى "قيام الخلافة الإسلامية" في العراق

القاهرة - لم تمر شحنة الأسلحة التي عبرت من السودان إلى الأراضي الليبية في الأيام الأخيرة مرور الكرام، فقد اكتشفت هذه المرة السلطات العسكرية في ليبيا أن الطائرات المحملة بذخائر وعتاد ثقيل للقصف ومعدات للقتال كانت قادمة من السودان (التي يحكمها نظام عمر البشير الإسلامي)، ومررت بدورها المعلومة للحكومة الليبية المؤقتة التي أصدرت بيانا تدين فيه “اعتداء السودان على السيادة الليبية”. هذا الحدث، لم يخل من تبعات إقليمية ودولية كانت ولا تزال مترابطة بصراع الميلشيات المتطرفة في ليبيا. وهو ما حرك الدبلوماسية المصرية بشكل أكثر سرعة وتواترا خوفا على أمنها وأمن كامل المنطقة المهدد بانتشار الإرهاب الإسلامي المسلح.

لا تزال التطورات المسلحة تتصاعد في ليبيا، والمتمثلة في وجود منظمات متطرفة وإرهابية لا يقتصر نشاطها على عمليات إرهابية داخل الأراضي الليبية فقط، ولكنها تنتشر بوتيرة متزايدة في البلدان المجاورة (خاصة مصر وتونس) بما في ذلك تهريب الأسلحة والأفراد المقاتلين بطريقة تنتهك سيادة الدول المجاورة وتهدد استقرارها.


تحدّي التوقيت


في محاولة لإعادة الهدوء إلى الحدود الغربية، طرح وزير الخارجية المصري سامح شكري مبادرة مصرية لحل النزاع المسلح في ليبيا، من خلال إطلاق حوار وطني شامل يضم كافة الأطراف السياسية والميليشيات المسلحة، بشرط وضع السلاح جانبا للاتفاق على كيفية الخروج من الأزمة التي تعيشها البلاد، مقابل إشراكهم في العملية السياسية. وفي الوقت نفسه، تعول القاهرة على دعم المجتمع الدولي لتنفيذ المبادرة لدعم استقرار ليبيا، وذلك من خلال تحركات دبلوماسية لانتزاع قرار دولي بفرض عقوبات تجبر الميليشيات على تسليم أسلحتها الثقيلة، بجانب فرض عقوبات دولية على أية دولة يثبت تورطها في تسليح هذه الميليشيات.

وقد تباينت آراء خبراء سياسيين مصريين حول المبادرة المصرية، فالبعض يرى أنها تأتي في توقيت بالغ الصعوبة، نظرا لتوجيه أنظار المجتمع الدولي إلى تهديد الدولة الإسلامية (داعش) في العراق والشام ومحاولة وقف تغلغلها في دول المنطقة. وذلك ما صرح به الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عماد جاد حيث قال أن “المبادرة المصرية تأتي في وقت بالغ الصعوبة” نظرا لأن المجتمع الدولي مشغول حاليا بكيفية مواجهة داعش.

ومن المتوقع أن يشن الناتو عمليات عسكرية في هذه الدول لمواجهة خطر انتشار داعش في المنطقة، لكن مع الضغوط المصرية قد يكون هناك دعم استثنائي للسلطات الليبية لاستعادة الدولة من المسلحين.

وقد أفادت تقارير إعلامية سابقة أن الولايات المتحدة الأميركية تقوم بحملة لحشد دولي للقيام بضربة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، أو على الأقل التمكن من قطع الدعم عليه ومحاصرة عناصره.

الحرب الأهلية لم تتوقف خسائرها في الداخل الليبي فقط بل أصبحت تهدد جديا أمن واستقرار دول الجوار

ويشدد عماد جاد في هذا السياق على ضرورة استجابة مجلس الأمن أيضا لمسألة فرض عقوبات على الميليشيات، مثل حظر السفر وتجميد الأصول، “فقد أصبح أمراً ضرورياً ومسؤولية دولية، خاصةً وأن هذه الأطراف لا تلتزم بمناشدة الدول أو المنظمات الدولية بوقف إطلاق النار، لوجود مصالح بين الميليشيات وقوى سياسية تريد إشعال الموقف من أجل فرض مزيد من النفوذ وإقامة مناطق حكم ذاتي للاستيلاء على حقول البترول".


التدخل المصري ضرورة


بعد سلسلة الهجمات التي قامت بها المجموعات الإرهابية المتطرفة التي تنشط على الحدود الشرقية لليبيا مع مصر، ملحقة خسائر بشرية في صفوف العناصر العسكرية المصرية وبعض الأضرار المادية، أصبح التهديد مباشرا للأمن المصري بشكل خاص ولدول المنطقة بشكل عام، خاصة تونس الجزائر. وقد تشكل تحالف بين هذه الدول لمحاربة الإرهاب الذي تفشى في ليبيا عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية والقيام بمناورات وتدريبات مشتركة (لعل أول زيارة يقوم بها عبد الفتاح السيسي كرئيس لمصر كانت للجزائر مما يؤكد خطورة الملف الأمني بالنسبة لتلك الدول).

وبناء على ذلك، أضحى تفعيل المبادرة المصرية بشأن الوضع في ليبيا مسألة لا بد منها، خاصة وأن معطى الوقت ليس في صالح الاستقرار، فكلما مر الوقت ازدادت التنظيمات الإسلامية المتطرفة قوة ونفوذا. وهذا ما يفسر رأي حازم حسني أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الذي أكد على أن المجتمع الدولي “إذا لم يفعل شيئا فإن الإرهاب سينتشر في كل المنطقة التي تواجه الكثير من الاضطرابات السياسية".

ويؤكد الخبراء أنه لابد من مواجهة التهديد المتزايد للميليشيات المسلحة في ليبيا، نظرا لتهديدها المباشر لدول الجوار، وبالتالي لابد أن يكون هناك تدخل أجنبي لمواجهة فوضى الجماعات المسلحة واستعادة الدولة الليبية، والقوة الأنسب للتدخل هي مصر في هذه الحالة بمعية القوى الإقليمية العربية الأخرى.

ويؤكد حازم حسني في هذا السياق أن المبادرة المصرية يحكمها عدد من المبادئ، “لعل أهمها احترام وحدة ليبيا وسيادتها، ورفض أي تدخل أجنبي في شؤونها الداخلية، والالتزام بحوار شامل بين جميع الأطراف، ودعم العملية السياسية، وهو ما يلزم المجتمع الدولي وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي بضرورة الالتفاف حول هذه المبادرة لإنقاذ الشرق الأوسط ودول الجوار من آثار الوضع الليبي".

أضحى تفعيل المبادرة المصرية بشأن الوضع في ليبيا مسألة لا بد منها


دور مصر داخل ليبيا


يؤكد تاريخ الحروب الأهلية بأنواعها أن أول نتائج تلك الحروب على المستوى الداخلي هي تفكك الدولة وانحلال الوحدة الوطنية والاجتماعية نظرا لعدم وجود رابط وطني رادع وقوي هو المؤسسة الحكومية الشرعية. وهذا ما يحدث فعلا في ليبيا، حيث أصبحت مقسمة على جميع المستويات السياسية والتنفيذية، فضلاً عن وجود اثنين من البرلمانات كل منهما يدعي الشرعية: القديم يهيمن عليه الإسلاميون، وآخر ينظر إليه على أنه ليبرالي ديمقراطي. بل وحتى الجيش لم يغب عن هذا التقسيم، وكل طرف لديه قائد عسكري.

وقد دعا جمال زهران أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس إلى قيام القاهرة والمجتمع الدولي بإعادة بناء مؤسسات ليبيا وأساسا الجيش والشرطة ونظام العدالة الجنائي بكل مكوناته من المحاكم والسجون، وأيضاً تطوير المخابرات الليبية، مضيفا أن ذلك “يتأتى من خلال توسيع بعثة الأمم المتحدة على أن تكون مهمتها تحقيق الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات”.

ويؤكد أن الإرهابيين داخل ليبيا لا تتوقف أنشطتهم الإرهابية داخل الأراضي الليبية فقط، ولكن تمتد إلى البلدان المجاورة، من خلال التجارة وتهريب السلاح.

13