الوضع الجديد للعلاقات الأميركية التركية أشبه بالقديم

الاستثناء من العقوبات الأميركية ضمن قائمة من "الأصدقاء والحلفاء" ورفع العقوبات ذات الصلة ببرانسون أخبار جيدة لتركيا، لكن ما زالت هناك مجالات أساسية للخلاف في خلفية انتخابات التجديد النصفي.
السبت 2018/11/10
تركيا تسعى إلى تجنب العقوبات الأميركية القاسية

تحسنت علاقات تركيا مع الولايات المتحدة؛ لكنها لم ترقَ بعد إلى مستوى ما يمكن أن يقال عنه علاقات دافئة وودية بحق، وهو مستوى أقرب إلى الخيال من الواقع في تاريخ العلاقات الممتدة لنحو مئة عام بين الجمهوريتين.

في الثاني من نوفمبر، رفعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب العقوبات التي كانت فرضتها على وزيرين رداً على سجن القس الأميركي أندرو برانسون ظلماً. وقد أدى الإفراج عن القس في ما بعد إلى تفادي الغرض من مثل تلك العقوبات، وقاد إلى الإعلان رسمياً عن الاستثناء من فرض عقوبات على أشخاص وشركات تركية تتعامل في المنتجات البترولية الإيرانية بعد ذلك بثلاثة أيام.

وحتى إذا كانت التفاصيل ذات الصلة بالاستثناء من العقوبات الإيرانية تمثل صعوبات أمام الشركات التركية، فإن ضم تركيا إلى قائمة “الأصدقاء والحلفاء” الثمانية الذين مُنحوا استثناءات من عقوبات أميركية بعينها ضد إيران يعطي إشارة على تحسن في العلاقات. بيد أنه لا توجد إشارة إلى الآن على رفع الرسوم الجمركية التي وضعتها الولايات المتحدة على واردات الصلب والألومنيوم من تركيا رداً على قضية برانسون.

إذن لا يجب أن نُفرط في تطلعاتنا بشأن هذه الأحداث بينما المشاكل مستمرة؛ فعلى الرغم من الانشغال بانتخابات التجديد النصفي الأميركية، والهجمات التي وقعت في الآونة الأخيرة بالولايات المتحدة، ما زال الكثيرون من أعضاء الإدارة الأميركية- بل وحتى أكثر منهم في الكونغرس- مستائين من عدد كبير من مقترحات السياسة التركية.

صحيح أن الدعوات إلى إقصاء تركيا من حلف شمال الأطلسي تلاشت، خاصة بين أعضاء الكونغرس من الإنجيليين الذين تعاملوا مع السجن الظالم لبرانسون على أنه دليل على أن تركيا أدارت ظهرها لحلفائها الغربيين والتقاليد العلمانية التي تحترم الحرية الدينية الشخصية.

غير أن الكثيرين في دوائر السياسة الخارجية الأميركية ما زالت لديهم مخاوف بشأن الدفء في علاقات تركيا مع موسكو، والذي تجلى في تقدم أنقرة لشراء نظام الدفاع الجوي والصاروخي إس-400 الروسي، ورغبتها الظاهرة في التعامل مع أعضاء آخرين في الحلف على أنهم خصوم طبيعيون وليسوا أصدقاء أو حلفاء.

ويمكن تحميل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المسؤولية عن الكثير من هذا العداء تجاه تركيا. وما زال مؤيدو الممارسات الديمقراطية الحرة خارج صناديق الاقتراع (مثل القضاء المستقل، وفصل السلطات، والمجتمع المدني القوي، وعلى وجه الخصوص وجود صحافة حرة لا تتعرض للإكراه والترهيب) ينتابهم الرعب من أسلوب تعامل الدولة التركية مع من ينتقدون سياسات الرئيس.

لن تقدّم الإدارة الأميركية سوى القليل من الدعم، أو ربما لن تقدم أي دعم على الإطلاق، للساعين إلى وجود ممارسات ديمقراطية حرة داخل تركيا. والإصرار على حرية برانسون، في وقت شهد احتجاجات شكلية فقط على سجن المواطن الأميركي ذي الأصول التركية سركان غولج وثلاثة من موظفي البعثة الدبلوماسية الأميركية المحليين في تركيا، يظهر مدى أهمية جنسية الشخص لإدارة الرئيس دونالد ترامب في الحرب من أجل العدالة في تركيا.

وبالمثل، فإن اختفاء قضية الصحافي السعودي جمال خاشقجي من معظم وسائل الإعلام الأميركية يبين إلى أي مدى ستكون الجهود الأميركية ضعيفة وضحلة في ما يتعلق بسيادة القانون وحقوق الإنسان في دول أخرى عندما يتعلق الأمر بانتهاكات الحقوق التي قد تعرقل أهداف السياسة الخارجية الأميركية (على سبيل المثال، نجاح العقوبات الإيرانية). وما زالت صحيفة واشنطن بوست، وعدد قليل غيرها من وسائل الإعلام، مستمرة في جهود تحفيز إدارة ترامب على المطالبة بالحقيقة في ما يتعلق بمن دبروا جريمة قتل خاشقجي ونفذوها، مع الأخذ بالاعتبار عدم اكتراث معظم قاعدة الناخبين في الولايات المتحدة بهذه الجريمة.

ومن وجهة نظر الولايات المتحدة، ما زالت إيران هي مصدر القلق الرئيسي من الناحية السياسية في منطقة تركيا. وتحتاج القضايا المتداخلة النابعة من مصدر القلق هذا إلى تناولها بنوع من التحليل.

فمن خلال سياسة العقوبات، تمكّنت الولايات المتحدة من تقليص الصادرات البترولية الإيرانية بما يتراوح بين 30 و40 بالمئة. وقد حلّ الخامس من نوفمبر ومعه سياسة مرهقة جداً تتضمن عقوبات قاسية على من يخرقون العقوبات الأميركية. لكن منع وصول البترول الإيراني كله إلى الأسواق العالمية سيقود أسعار المنتجات البترولية إلى الارتفاع، وهو أمر ليس محل ترحيب لدى المستهلكين الأميركيين (وهم أيضا الناخبين). ومن ثم فإن الولايات المتحدة تقنع السعوديين بضخ المزيد وزيادة المخزونات البترولية العالمية من أجل تخفيف أثر تقليص صادرات البترول الإيرانية على الناخب الأميركي. وتشير تقارير إلى أن الإدارة الأميركية تعمل مع مسؤولين في السعودية والكويت على حلّ خلاف بشأن تقاسم الإنتاج في المنطقة المقسومة بين البلدين، وتعمل أيضاً مع العراق وحكومة إقليم كردستان العراق من أجل فتح الباب أمام صادرات النفط إلى تركيا من العراق.

ومن شأن الإجراء الأول أن يحقق الاستقرار في إنتاج النفط العالمي، أما الإجراء الأخير فسيكون مفيداً جداً لتركيا، في ظل سعيها إلى تجنب العقوبات الأميركية القاسية التي ستُفرَض على كل من يخرق العقوبات الأميركية. وتظهر الحالتان إلى أي مدى ستذهب الولايات المتحدة في ظل السياسة التي تتبناها تجاه إيران.

يظهر ما سبق أهمية السياسة الأميركية تجاه إيران، والمتمثلة في الحفاظ على علاقات قوية وإيجابية مع السعودية.

وشكّل أسلوب أردوغان في تعاطيه مع قضية مقتل جمال خاشقجي مصدر قوة سياسية له. فقد رسم رجب طيب أردوغان لنفسه صورة الشخص الساعي إلى العدالة والحقيقة بدعم من الكثير من وسائل الإعلام التركية؛ لكنه لا يتجه إلى ما أبعد من ذلك.

لقد قدم أردوغان للعالم أوراق اعتماده كطرف فاعل ومنطقي ونزيه يسعى فقط لخروج الحقيقة إلى النور. يأتي هذا بينما لا يتوقف سجن عدد لا يحصى من الصحافيين والأكاديميين والمدرّسين والأطباء وغيرهم، في حين يسعى آخرون إلى اللجوء في دول أجنبية، بينما خسر الآلاف وظائفهم بسبب اتهامات زائفة. وقد استفاد أردوغان من أن ورود الإشارة إلى تركيا في معظم العناوين الأميركية جاء مرتبطاً بقتلة سعوديين أشرار، بدلاً من أن يأتي مرتبطاً بصحافيين وغيرهم من المعتقلين ظلماً.

وبالطبع قد يتفجر الوضع في وجهه ووجوهنا إذا أدت الجهود التركية في مواجهة مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا إلى مقتل أفراد من الجيش الأميركي. وبالنظر إلى الجهود المكثفة التي تبذلها الولايات المتحدة من أجل الحيلولة دون حدوث هذا في المنطقة الحدودية السورية التركية، من غير المرجح أن يعتبر القادة الأميركيون على الأرض -ولا كبار القادة في البيت الأبيض أو في الكونغرس- مقتل أفراد من الجيش الأميركي على أيدي تركيا العضو الزميل في حلف شمال الأطلسي أمراً غير متعمد.

وباختصار، فإن الاستثناء من العقوبات الأميركية ضمن قائمة من “الأصدقاء والحلفاء” ورفع العقوبات ذات الصلة ببرانسون أخبار جيدة لتركيا؛ لكن ما زالت هناك مجالات أساسية للخلاف في خلفية انتخابات التجديد النصفي التي تمّت منذ يومين في الولايات المتحدة. وسواء كان ذلك يتعلق بالرسوم الجمركية أو بفتح الله غولن أو ببيع الطائرات طراز إف-35 أو التنقيب عن النفط بالقرب من قبرص، سيظل رئيسا الولايات المتحدة وتركيا يديران العلاقات التي تواجه تحديات في ظل سعي كل منهما لتحقيق ما يراه الأفضل لبلاده.

9