الوضع بدو رضع

السبت 2014/03/01

ثمة منغّصات ومنفّراتٍ لا منجى منها ولا مفرَّ، أكانَ المهرب منها بجِلدكَ أم من دونهِ. واحدٌ من تلك المميتات التي سآتي على ذكرها الليلةَ، هو حديث السائقين الإكراهي الذي يبدأ من لحظة انزراع عجيزتك بصدر السيارة، وقد ينتهي عند عتبة المكان الذي قصدته أول مرة.

سوَقة التاكسي – حلّاقو الرؤوس واللحى أقلّ قسوةً منهم – في أعبابهم الأبدية رغبة مروّعة لاصطيادك وافتراسك بالكلام. هم مهرة وبارعون ومبدعون بصنع مفاتيح ابتدائية، يلجوا بوساطتها بيبان الحديث المملّ.

يقنصونك حتى لو كان مزاجك نائما على عكرة مبينة، ووجهك منطفئا يكاد الناظر إليه، يقرأ زبدةَ أن ابتعدْ عنّي ألف فرسخ وثلاثة. سيقدّم لك سيجارة فتتمنّع وتشكرهُ، وسيعزمك على رشفةٍ من كوب قهوتهِ الباردة فتعتذر، وسيضربُ لك مثلاً للقياس، عصارته تريد معنى أنّ الفقر ليس بمعيبة أو منقصة، وأنت لم تشكُ له الحال ولا المآل، وسيُنهي اجتهاداته ومحاولاته في قنصكَ بسلة جُمل ولازمات مشهورات، من مثل إنّ الجوّ حارٌّ، أو السماء ملبدة بالغيم وقد تتهاطل بعد قليل. ستمسكُ بسكوتك وسكوتك ليس بنافع أبداً، إذ أنت على ميعاد جادٍّ مع جملة القتل المبتكرة التي تنطّقُ حتى الحديد الأخرس الأطرش.

سيدغدغُ سائق المركوب الشاطر، أناكَ المضمومةَ تحت إبطك، وسيُفتي بأنَّ شعرك ولحيتك ووجهك، والشال الأحمر النازل تحت ركبتك بشبر، إنما هي من علامات الأدب والفن. في تلك اللحظة الطالعة من شقّ التأريخ الشخصيّ المجيد، عليك أن تنزعَ أية قطعة بيضاء مما يدخل بباب فوائض اللباس، وترفرف بها قدّام وجه السائق المنتشي.

ستميل بوجهك المهزوم صوب الدريول الطيّب، وستخبره بأنك تمارس كتابة القصة القصيرة، فإن لم يفهم، ستقول له إنها الرواية المروية أو الحكاية المحكيّة، فإن لم يعرف، ستثلّث عليه بقولة أنّك صحفيّ، وعند هذه القطعة التي لا تُربَّعْ، ستكون مجسّاته قد تنوّرتْ وسيسألك عن رأيك بالوضع، وسوف تُجيبهُ متشاطرا متذاكيا متكفّيا متخفّفا، بجملةٍ عمّونيةٍ لطيفةٍ مشهورة صائحة بأنّ “الوضعْ بِدّو رضعْ ” فينخلق وجههُ من ضحكةٍ ضخمةٍ تبدأ من الأذن إلى الأذن، مع كومة أسنان بائنات، هنّ من يقينات البهجة والسعد، وعند أوشال الرحلة، ستدسّ بيمينه الحلال الكادحة، ليرات صامتات انرسمَ عديدهنَّ فوق شاشة العدّاد الراسخ المحمر، مع أمل إعجازيّ بلقياهُ ثانيةً، عابراً صحنَ وسط البلد العتيق، معيداً أسئلته عن الوضع والمطر والسيسيّ ولوحة خرابيش الدجاج، وسرّ خجل كاظم الساهر بمواجهة كاميرا الكلام !!

24