الوضوح والالتباس في علاقة مصر والجزائر

الأزمة الليبية تكشف التباعد في التقديرات السياسية بين الجانبين.
الأحد 2021/08/01
أزمة سد النهضة العنوان الرئيسي لزيارة لعمامرة إلى مصر

زيارة وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة إلى القاهرة تثير الاهتمام كونها تؤشر على إذابة الجليد بين دولتين تقف مصالحهما على طرفي نقيض خاصة في الملف الليبي. ففيما وقفت الجزائر مع ممثلي الإسلام السياسي في الغرب كانت مصر تبحث عن دعم حلفاء لها في الشرق بقيادة خليفة حفتر. وهذا الاختلاف في المواقف يطرح تساؤلات بشأن قدرة الوزير الجزائري على الوساطة في ملف سد النهضة، وهو موضوع شائك.

حملت زيارة وزير خارجية الجزائر رمطان لعمامرة لمصر السبت الكثير من المعاني التي تؤكد أن العلاقات بين البلدين في ظاهرها جيدة وأن هناك وضوحا وتفاهما في الكثير من القضايا المشتركة، وفي الوقت نفسه عززت الالتباس، لأنها من المفترض أنها جاءت ضمن سياق جولة قادت لعمامرة أيضا إلى كل من أديس أبابا والخرطوم، ما يعني أن أزمة سد النهضة الإثيوبي هي العنوان الرئيسي فيها، وهو ما ظهرت ملامحه في تصريحات مسؤولي البلدين.

بدأت مصر والجزائر تستفيقان فجأة للبحث عن أهداف وآفاق واعدة لدوريهما الإقليمي، في إطار رسالة مفادها أن كل دولة تريد أن تقول إنها موجودة ومؤثرة.

يعمل البلدان بشكل فردي أو عبر تنسيق مشترك غير معلن لتبني تحركات نشطة في بعض قضايا المنطقة، ويحرصان على الانخراط في تفاصيلها بعد فترة من الكمون، يعود جزء رئيسي فيه إلى طبيعة التحديات التي تواجه كل دولة وكثافة الهموم الداخلية.

ومع أن التحديات والهموم لم تنته بعد، إلا أن هناك بوادر حركة دبلوماسية ظهرت مؤخرا قد تجمع بينهما في محطات لاحقة وتوجد شبكة جديدة من المصالح المشتركة.

احتفظت العلاقات بين القاهرة والجزائر في العقد الأخير بدرجة من الهدوء وكانت تتجنب قدر الإمكان الدخول في مربعات خلافية حادة، ولم تصل إلى مستوى الدفء المعهود أو الفتور الذي ينذر بحدوث أزمة عميقة، وحرص كل طرف على مراعاة مصالح الآخر، على الرغم من أن التباين بينهما كان واضحا في الأزمة الليبية.

لعبة الشرق والغرب

تفعيل التشاور الثنائي
تفعيل التشاور الثنائي

فقدت القضايا القومية والمواقف الاستراتيجية تأثيرها في الخطاب الذي تبناه تاريخيا البلدان، وتخلى كلاهما عن جانب معتبر من الزخم المعروف في التصورات والتحركات الإقليمية، وعند استدعاء هذا الخطاب في لحظات معينة لم تصاحب ذلك معالم تعاون ملموس أو تفاهم يشير إلى وجود قواسم متفق عليها بين البلدين.

كاد الصدام بينهما يحدث بالفعل على وقع الأزمة الليبية منذ بدايتها، حيث خشيت القاهرة من تضخم تيار الإسلام السياسي ورأت ضرورة التعامل معه بصرامة قبل أن تتحول ليبيا إلى بؤرة جاذبة للمتطرفين من كل أنحاء العالم، وهو ما رفضت الجزائر التسليم به وفضلت التشبث بالحوار انطلاقا من تجربة العشرية السوداء التي كبدتها عشرات الآلاف من الضحايا، وجعلت قيادتها السياسية والعسكرية التي أوجدت صيغة للتعايش مع الإسلاميين تتمسك بالاحتواء وتمانع منهج الإقصاء المصري.

كانت هذه الأزمة نموذجا لتفسير المنطق الذي يستخدمه كل طرف في دورانه السياسي، بل وشاهدة على عدد من المحكات التي أسهمت في التباعد بين القاهرة والجزائر ويمكن أن تتكرر في ملفات أخرى فلم يصل النظامان إلى مستوى رفيع من التناغم يمكّنهما من توزيع الأدوار بالشكل الذي يخدم رؤية واحدة محكمة.

وقررت كل دولة التعامل بطريقتها في ليبيا دون الضغط كثيرا على التقاطعات السلبية وأدارت أوراق اللعبة بالوسائل والأدوات والأهداف التي تراها تخدم مصالحها.

منحت مصر جل اهتمامها لاستقرار شرق ليبيا المجاور لها، وانصب اهتمام الجزائر على غرب ليبيا، وحافظ كل طرف على درجة من الفتور مع الجانب الذي لم يكن منحازا إليه (الجزائر ضد الشرق ومصر ضد الغرب) بصورة ضاعفت من مساحة الغموض الذي يكتنف إدارة كل طرف لأزمة تمثل تهديدا داهما لهما.

وضعت مصر التيار الإسلامي بأطيافه المختلفة في ليبيا أو غيرها في بوتقة التطرف، بينما حرصت الجزائر على التفرقة بين معتدلين ومتشددين لتبرير ليونتها مع هذا التيار النشط في الجزائر، ولم تتغير هذه المعادلة حتى الآن، على الرغم من انفتاح القاهرة كثيرا على طرابلس، وانفتاح الجزائر نسبيا على بنغازي .

أسهمت الخلافات العربية في التعامل مع الأزمة الليبية، وبينهما المصرية – الجزائرية، في فتح المجال أمام تركيا لتكريس نفوذها في الأراضي الليبية، خاصة في طرابلس، وهو ما أشعر القاهرة والجزائر بالقلق.

واختلفت أيضا طريقة التعامل، فقد أبدت القاهرة رفضا قاطعا لهذا الوجود وبدت الجزائر على استعداد لاستيعاب تطوراته، مع أن طموحات أنقرة لن تتوقف عند ليبيا وتخطط للتمدد شرقا وغربا وجنوبا، ما يهدد مصالح الجزائر على المدى البعيد أفريقيا عموما، وهي القاعدة التي تصلح للبناء عليها إذا أرادت القاهرة والجزائر العمل معا.

قفز البلدان على هذه النقطة الحيوية ولم يلتقيا عندها للحوار وتصرّف كلاهما بما يتوافق مع حساباته الداخلية والخارجية من دون ظهور علامات للتنسيق السياسي أو التنافر في المحطات الإقليمية والدولية التي طرحت على طاولتها الأزمة الليبية وروافدها، وهي صيغة مريحة للجانبين تعزز إشكالية الوضوح والالتباس.

جاء التحول الجديد في العلاقات بين البلدين من رحم مجموعة من التطورات الإقليمية، أبرزها مشروع التسوية السياسية الذي تمضي فيه ليبيا بوتيرة متذبذبة، ويمكن أن يصل إلى إجراء انتخابات مع نهاية العام وانتخاب رئيس جديد للبلاد، أي أن زاوية التباين قد تتقلص وبالتالي عليهما الاستفادة من نتائج السنوات العشر الماضية التي كادت تفضي إلى خسائر باهظة للدولتين وبدت مفاتيح أهم أزمة إقليمية يتحكم فيها غيرهما.

انفتاح متبادل

ملف شائك
ملف شائك

تحتم النتيجة التي وصلت إليها مصر من حصيلة تجربتها في التعامل مع الأزمات الإقليمية مؤخرا الانفتاح على كل من تونس والمغرب والجزائر، وإحداث تغيير في التوجهات التقليدية التي جعلت من المشرق العربي الفضاء الرئيس لمصر على حساب المغرب العربي، وعدم الاكتفاء بالهدوء المعتاد الذي يسود العلاقات، خاصة أن رهانات القاهرة على المشرق تصطدم بالعديد من العقبات التي تحد من تمدد دورها في ظل متغيرات ترخي بظلالها السلبية على توازناتها السابقة.

التقى التفكير المصري في مد بصره بشكل كبير نحو المغرب العربي مع رغبة الجزائر في مد إعادة بصرها نحو المشرق والخروج من دوائر العزوف بسبب الانهاك الذي تعرضت له طوال السنوات الماضية والاستفادة من الميراث المشترك بين البلدين الذي كانت أعلى تجلياته في عهد الرئيسين المصري جمال عبدالناصر والجزائري هواري بومدين وما جمعهما من أفكار قومية.

ذهبت هذه الحقبة ومكاسبها ولم تبق منها سوى ذكريات عاطفية أكثر منها سياسية، يمكن البناء عليها إذا زادت نسبة الوضوح في العلاقات، حيث يبدو كل طرف يتقدم نحو الآخر مقيدا بحساسيات كفيلة بوقف كل تحركات إيجابية، ما يقلل من أهمية أي تقارب ينتوي الطرفان القيام به، الأمر الذي يعيدهما مرة أخرى إلى نقطة الالتباس.

تتحدث دوائر سياسية جزائرية عن تفاهمات كبيرة واعدة مع مصر في أزمة سد النهضة، بينما تشير نظيرتها في القاهرة لخلافات وأن الهوة بحاجة إلى تجسيرها مع إثيوبيا أولا، بما يؤكد أن صناع القرار في البلدين على درجة من الانفصال مع النخبة السياسية أو أن هناك رغبة خفية متعمدة في تقليل نسبة الوضوح وزيادة الغموض، ولا تفسير لهذا التباين غير أن العلاقات لم تصل بعد إلى درجة عالية من الصراحة.

الثابت أن مصر تبحث عن استرداد نفوذها الإقليمي وهناك كوابح تقف حائلا دون استكمال هذه المهمة، والجزائر تريد أن تستفيد من كثافة المشكلات في محيطها المغاربي وتبحث عن دور يتناسب مع طموحاتها، لكن سوف يظل كل بلد يخضع للعديد من القيود التي تحد من حركته الإقليمية الواسعة.

في كل الحالات لم تصل العلاقات بين الجانبين إلى مستوى يعزز ما تداولته مصادر جزائرية من تكهنات بشأن خطة حكيمة للتقارب مع القاهرة التي لا تزال تتكتم على ما يربطها من علاقات حقيقية مع الجزائر، لأن التصريحات الدبلوماسية البراقة لا تكفي لكشف طبيعة التطورات وما يكتنفها من رؤى رمادية تسمح باجتهادات متعارضة.

4