الوطنية: الملاذ الأخير للأوغاد

الأربعاء 2013/11/13

في حدود معرفتي المتواضعة لا يوجد تعريف جامع مانع لمفاهيم الوطن، والمواطنة، والوطنية ولعل ذلك يعكس حالة السكون حيال تحرير المصطلحات والتي كثيراً ما تكون سبباً في اختلافات قد تصل إلى التخوين أثناء النقاش السياسي على مستوى الفرد والجماعة. ولذا سأعتمد آلية توصيف المفاهيم بما يوضح دلالاتها السياسية قدر الإمكان.

وإذ أبدأ بمفهوم الوطن، فسأدخل إليه بما نُقِلَ عن الأصمعي من أنه سمع إعرابياً يقول "إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف شوقه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه وبكاءه على ما مضى من زمانه". هذه المقولة حددت ثلاثة أبعاد لهذا المفهوم: جغرافي، واجتماعي، وتاريخي تعكس دلالات متفاوتة لبيئة حاضنة ضمن نطاق جغرافي ينتمي إليه مجتمع بعينه يشترك أفراده في مشتركات كاللغة والدين والعرق بالإضافة إلى دلالة تاريخية تضاف إلى جغرافيته وتمنحه ارتباطاً فرديا أو جمعياً ضاربٌ في القِدَم. ويلتزم أفراده من خلال المشتركات بالقيود الاجتماعية والتاريخية التي يفرضها المكان. وهذا يعني أن هذا المفهوم لا يمكن أن يكون أياً من هذه المكونات منفرداً بل هو جميعها في نفس الوقت مما يحيله من مجرد مفردة في معجم يفسرها من أراد كيفما شاء إلى مفهوم جامع واحد لا يسمح بتعدد الولاءات بينما يسمح بالانتماء الواحد أو المتعدد.

الولاء والانتماء هما جوهر المواطنة وأساسها والركيزة الأولى التي تتكون بواسطتها علاقة الفرد بالكيان وتلتحم فيه (الأنا) الفردية بـ (النحن) الجمعية لِتُشَّكِل هوية وثقافة مشتركة تتجه باستمرار نحو مزيد من الاندماج والتماسك ما لم تتداخل معها "تهاويم" السياسة لتسيطر عليها مجموعة مبادئ وقيم سياسية تتبناها جماعة معينة تفرض على المجتمع رؤيتها ومفاهيمها الخاصة. ومن الأمثلة الواقعية على تعدد الانتماءات ووحدة الولاء كالولايات المتحدة، أو الاتحاد السوفييتي السابق قبل وقوعه في فخ الغلاسنوسنت والبروسترويكا، أو كالاتحاد الأوروبي وخطواته نحو توحيد الهوية.

وحدة الهوية تعتبر الركيزة الثانية في المواطنة الحقة التي تتطلب أن تكون جزءاً من الحراك السياسي الوطني تسير مع تياره وتدرس تاريخه وتحتفي بأيامه وتشترك في القضايا التي تؤثر على مساره وتتماهى مع علاقته بالحدث السياسي في غير تضاد ولا تصادم ولا تسفيه لخطواته مع الاحتفاظ بحق التعبير، لا التحريض، ضمن جملة الحقوق التي تصنعها البيئةُ الحاضنة والثقافة الحقوقية التي يفترض أن تكون جزءاً لا يتجزأ من الهوية.

ما سبق لا يعني أن نربط مفهوم المواطنة بالسلطة لأن في ذلك تقسيم لمكونات الكيان الواحد ولمبدأ الولاء ومفهومه الغير قابل للتقسيم بحيث يصبح لدينا ولاء للسلطة وآخر للوطن. وهذا لا يصح فالولاء للوطن يتضمن تلقائياً الولاء للسلطة بينما الولاء للسلطة قد لا يتضمن الولاء للوطن. وكذلك الحال مع الفرد داخل الحدود إما أن يكون منتمياً للداخل أو للخارج - في حالة المناطق الحدودية مثلاً حيث تختلط الانتماءات - ولا يمكن تحديد مواطنته إلا من خلال ولاءه، فإن كان ولاءه للخارج أياً كان انتماؤه فقد أسقط عن نفسه ركناً رئيساً من أركان المواطنة مما لا يعطيه الحق بادعائها.

هذا يقودنا إلى مفهوم الوطنية ومحاولة توصيف هذا المفهوم الشائك من خلال ثلاثة صور يجمعها التراث المشترك. إحداها هجين من الأُخْرَيَيْن إلا أنها اكتسبت خصائص مستقلة.

الصورة الأولى ما يعرف بـ Nationalism ويتصف صاحبها بدرجة انتماء وولاء عالية جداً وشعور بالقوة وأن وطنه هو الأفضل على الإطلاق، ويرى النقد إهانة فلا يعترف بالخطأ ولا بالسلبيات، ويعبر عن محبته بطريقة متشنجة أو حركية أحياناً، ويسعى للقوة مدعوماً بعدائيته للآخر.

الصورة الثانية ما يعرف بـ Patriotism وترتكز على مجموعة من القيم والمبادئ الإيجابية والواقعية فصاحبها يقبل النقد ويستفيد منه ويتابع كل جديد غير مُخِل ويرى وطنه من أفضل الأوطان لا أفضلها. كما تمثل المساواة المجتمعية، والإيجابية تجاه الآخر، وتقديم المصلحة القومية العليا على ما سواها، أهم مرتكزات هذا المفهوم بالإضافة إلى نقد السلبيات ونقاط الضعف والتعبير عن محبته بطريقة هادئة.

الصورة الثالثة هي الصورة الهجين التي في ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب وهي صورة الوطنية الأممية المبنية على المغالطة المعروفة بـ "نصف الحقيقة" في شعارها القائل إن الولاء لله والانتماء للإسلام وهو صحيح تماماً ولا يختلف عليه اثنان إلا أنه كلام حق يراد به باطل فهو يمثل نصف الحقيقة فقط والنصف الآخر أن هناك ولاءات أدنى بمراحل من الولاء لله سبحانه وتعالى وهناك انتماءات أدنى من الإنتماء للإسلام وهذه دنيوية وتلك دينية. ثم عند التطبيق تمارس الوطنية الأممية مغالطة ثانية هي المغالطة الحدية ( Exclude the middle ) فإما القول بقولهم أو أن ولائك وانتمائك ليس لله والدين. ومن خلال هذه المغالطات يتم ممارسة أسوأ ما يمكن من أعمال كارثية على الوطن الأم.

الوطنية الأممية تفترض وجود وطن تاريخي غائب فلا تؤمن بما تصفه بالحدود للوطن الواقعي بينما تضع حدوداً للوطن التاريخي في مفارقة عجيبة. وترى أن مساواة أفراده لديهم تقتضي أن تكون لمن هو في داخل وخارج الوطن الواقعي، وانظر لموقفهم من عملية تصحيح وضع العمالة السائبة في السعودية. ولتقترب الوطنية الأممية من الوطن التاريخي يعتنق صاحبها الميكيافيلية في علاقته مع التنظيمات والدول ولا يتجاوز تعبيره عن حبه لوطنه الواقعي أن يكون تصويراً له على أنه جزء من وطن أكبر. لذا يتحرك تنظيرياً بالتحريض المستمر وابراز السلبيات والتعامي عن الإيجابيات، وحركياً بالتفجير والتدمير لإنشاء الوطن التاريخي. تتكئُ الوطنية الأممية على مسئوليات وهمية تلقيها على عاتق الوطن الواقعي لصالح الوطن التاريخي حتى وإن كانت مستحيلة التحقيق كالمطالبة بالتدخل العسكري في دولة تفصلها عن الوطن الواقعي عدة دول. كما تتصف بالعمل المستمر والدائم على استجلاب الأوطان الأخرى - الدائرة في فلك الوطن التاريخي - إلى وطنها الواقعي أو فرض وطنها الواقعي على تلك الأوطان من خلال التدخل التنظيري أو الحركي دون مراعاة لمصلحة الوطن الواقعي. أو جلب مشكلات تلك الأوطان إلى وطنها الواقعي ومحاسبته عليها كما هو الحال مع رابعة وتداعياتها. هذه الصورة الهجين لمفهوم الوطنية لا توجد إلا في عالمنا الإسلامي حيث تتعدد الانتماءات ويتحد الولاء للوطن التاريخي وهذا يعني وبكل وضوح أن هناك خرقاً شنيعاً لجوهر المواطنة في الوطن الواقعي.

كنا قد ذكرنا مثال الولايات المتحدة كوطن تتعدد فيه الانتماءات ويتحد فيه الولاء، لكنه وطن قائم على أرض الواقع. بينما وطن الأمميين التاريخي لا يمكن أن يكون واقعاً إلا على أنقاض عدد كبير من الدول وبثمن باهظ تدفعه الشعوب، وعقود من الفتن والاضطرابات والقلاقل. وهذا ما يأمله الأمميون بوطنيتهم الهجين أن يفعله الخريف العربي.

حينما وصف جورج أورويل الـ Nationalists في عصره بأن الحال قد يصل بهم إلى الولاء لغير وطنهم لم يكن يعلم أن نبوءته حققها التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وقياداته التي رسمت صورة كاملة وواضحة للنبوءة في وطنية شوفونية عدوانية رأيناها في مصر وغيرها. وطنية قال صامويل جونسون عن مثيلتها عام 1775 إنها الملاذ الأخير للأوغاد. فما أشبه الليلة بالبارحة.


كاتب سعودي

9