الوطنية.. شعار أجوف في واقع الممارسة السياسية

الاثنين 2017/08/07

لم ينعم المشهد السياسي التونسي بأي استقرار يذكر رغم خطابات التطمين والتليين الصادرة عن الساسة وخاصة المتواجدين في دائرة السلطة. فالتفاعلات بين أقطاب السياسة احتدمت وتصاعدت حدتها لحجز مكان في الاستحقاقات القادمة وأبرزها انتخابات المجالس البلدية وانتخابات رئاسية 2019.

أحداث كثيرة تتوالى لتسم المشهد السياسي في تونس بالتشنج نذكر منها؛ مساءلة رئيس الحكومة تحت قبة البرلمان وما انتهت إليه من ردود أفعال، ونشأة أحزاب جديدة كنتيجة للصراع السياسي المحتدم، وتصريحات راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة والتي تنصل فيها من مقولة الإسلام السياسي ودعا فيها الشاهد صراحة لعدم الترشح للرئاسية القادمة، وموضوع التعديل الوزاري، وآخر الأحداث موجة الحرائق التي اجتاحت الغابات وما خلفته من مواقف. كما لا ننسى الخطوة التي أقدم عليها الاتحاد العام التونسي للشغل بزيارته لسوريا والتي أسالت الكثير من الحبر.

فما نراه أشبه بـ”هرسلة سياسية فجّة” تنتظم وفق ثنائية “الفعل وردّ الفعل”. فكل الأحزاب والشخصيات والمنظمات والجمعيات، تسعى إلى ضمان دور فاعل في رسم المشهد السياسي القادم، كل حسب وزنه وقدرته المالية وشعبيته وقاعدته. منذ الإعلان عن وثيقة قرطاج وانخراط جميع المكونات الفاعلة في رسم ملامح المرحلة، سعت حكومة الشاهد بمعاضدة داعميها إلى تجاوز الضغوط السياسية والاقتصادية وإخماد نيران الاحتجاجات، وقد نجحت بنسب حسب مؤيديها وفشلت بنسب وفق معارضيها.

التفاعلات السياسية الحقيقية بدأت مع تشظي حركة نداء تونس نتيجة الصراعات الخفية والمعلنة التي قادها قياديو الصف الأول فيها، فبقدر ما سعت الحركة إلى لملمة شملها وتضميد جراح الانشقاق داخلها، بقدر ما سعت حركة النهضة إلى توطيد وجودها في السلطة دون أن تعلن عن صراع التموقع وكانت تناور وتعدل خطواتها وخطابها وفق ما يقتضيه الوضع، محاولة ارتداء جبة الحداثة والديمقراطية.

هذه التفاعلات ووفق منطق كسب النقاط، جعلت الساحة السياسية تشهد صراعا محتدما، نضحت عنه مواقف عديدة وقرارات مفاجئة، كان لها أثر بالغ في سعي البعض من الساسة والأحزاب إلى تعديل المسار.

إعلان رئيس الحكومة يوسف الشاهد عن خطته لمحاربة الفساد ومبادرته في تنفيذها، رغم ما وسمت به الخطة من انتقائية وارتجالية وفرز، أكسب الحكومة سندا اجتماعيا ومدنيا من الشرائح التي تعاني ويلات تدهور الاقتصاد وتلاقي مصاعب جمّة لتوفير الحدّ الأدنى للعيش. في المقابل بارك جميع الساسة -في العلن الخطوة- لعدم معارضة هذا الزخم الاجتماعي الذي حازت عليه المبادرة.

فالشاهد وحكومته ومن ورائهما جميع الداعمين -رغم اختلاف الأسباب والأهداف- دافعوا بشراسة عن خيار محاربة الفساد ولكن مآخذ جمة رافقت سعيهم. الموقوفون والمجمدة أموالهم والممنوعون من السفر، ليسوا الوحيدين المتهمين بالفساد، ففي عائلة النداء ومن حكموا تونس في عهد الترويكا، هناك الكثير ممن تحوم حولهم شبهة الفساد، ولكن الحملة لم تشملهم.

الشاهد فاجأ الساحة السياسية وعائلة النداء نفسها، حيث بدأ يرسم ملامح شخصيته على الخارطة السياسية، ويعني ذلك أنه رسّم نفسه ندّا سياسيا في المستقبل وكان لزاما على الآخرين أن يحاولوا تحجيم هذا الدور وجعله ينكفئ على نفسه.

المطروح حسب ما راج في وسائل الإعلام تعديل وزاري جزئي أو كلي لملء الشغور في وزارتي المالية والتربية ولضخ دماء جديدة؛ النهضة تسعى من وراء ذلك للحفاظ على مواقعها في السلطة، تحضيرا للمغامرة الانتخابية البلدية والرئاسية، ولتجنب المساءلة، ولصدّ المترصّدين من خصومها. وحركة النداء تسعى إلى تعديل ربما يكون كليا وشاملا سيجد الشاهد نفسه عاجزا عن مجاراته لأن قوائم الاقتراحات ستتعدد وتختلف في صلب النداء نفسه ولن يقدر على ترضية الجميع أو انتخاب ترسانة حكومته بموضوعية. إنه مطبّ سياسي ولا شك له تبعاته.

خطاب النهضة تطور بصفة سريعة، تنازلت عن السلطة درءا لغضب الشارع واحتجاجاته، وتراجعت ولو ظاهريا عن معاداة الحداثة ومنها الإرث البورقيبي.. أما حوار الغنوشي الأخير وظهوره بربطة عنق، فقد أظهرا قدرة الحركة على قولبة خطابها بما يتناسب مع الوضع وما يتطلبه السياق. فليس من السهل على حركة لا يمكن لأي أحد أن ينكر انتماءها إلى حضيرة الإسلام السياسي، أن تتنصل من مقولة “الإسلام هو الحل” وتطلق على عملها السياسي مصطلحا يشي بالحداثة وهو “الإسلام الديمقراطي”.

الغنوشي دعا يوسف الشاهد إلى إعلان عدم ترشحه لرئاسية 2019، وهي دعوة اختلفت الآراء في تفسيرها، إما أن تكون بغرض تحجيم دور الشاهد وإما بنية تقديم ترشح للرئاسية القادمة عزفت عنه النهضة سابقا وإما بغرض إضعاف خيارات نداء تونس.

أما المعارضة اليسارية -رغم وجود ائتلاف حزبي موسع ممثل بالجبهة الشعبية- فإنها لم تستطع تجميع أطيافها وتقديم مشاريع سياسية حقيقية بإمكانها أن تستقطب القاعدة الانتخابية، وبقيت متشبثة براديكاليتها وعجزت عن تطوير مرجعياتها وأهدافها في قراءة جديدة، وفق ما يقتضيه الواقع المتحول دوما وباستمرار. وما ينطبق على اليسار ينطبق أيضا على بقية التيارات التي بقيت رهينة التجاذبات السياسية الإقليمية والعالمية.

الواقع يشي بأن الطبقة السياسية على اختلاف مشاربها لم تستطع أن تلامس مشاغل الشارع التونسي، كما لم تستطع أي جهة تقديم بدائل فعلية للنهوض بتونس في جميع المجالات. إذن فالمشهد السياسي مشتعل كما الغابات التي طالتها النيران في صورة قاتمة مخيفة، وتتواصل الاتهامات والهرسلة السياسية دون وجود حلول حقيقية للمشاكل المطروحة.

كاتب من تونس

4