الوطن الجنازة

حكاية مستشفى ابن الخطيب التي احترقت وأحرقت ثمانين من نزلائها ورمت العشرات من المرضى وذويهم من شبابيكها لن تكون الأخيرة ففي انتظار العراقيين كوارث قادمة أشد إيلاما وأكثر مضرة.
الأربعاء 2021/04/28
الوطن أصبح خرابة لا  تصلح لسكن الإنسان

لم يكن غريبا ولا عجيبا أن تحترق مستشفى في بغداد، ولكن الغريب العجيب هو الكمّ الهائل من دموع التماسيح التي راح يذرفها على شهداء الحريق حكامُ المنطقة الخضراء أصحابُ الأحزاب والميليشيات والصفقات والاختلاسات الذين يعرفون الفاعل ويسكتون عن تسجيل الجريمة ضد مجهول، حتى جعلوا الوطن كلَّه جنازة لا يمشي وراء نعشها  أكثر من ذوي القتيل ساكتين وخائفين.

غزارة عجيبة غريبة في بيانات التعزية والمواساة التي تسابقوا على نشرها عبر  وسائل التواصل والإذاعات والفضائيات، وكأنها الفاجعة الأولى التي تقع في عراقهم الملتحي الصائم المصلي المزكي اللاطم المصمم على أخذ ثارات شهيد قُتل قبل ما يقرب من ألف وأربعمئة عام، ثم يتساهل ويتماهل ويتخاذل عن أخذ ثأر العشرات والمئات من الشهداء الذين يتساقطون، كل يوم وكل ساعة، إما غدراً برصاص حيّ، أو حرقا في مستشفى أو غرقا في عبارة.

ففي وطن تتربع على كراسي القيادة فيه مخلوقات طفيلية متوحشة متخلفة حاقدة تكره حتى أهل طائفتها نفسها، وأتباع دينها نفسه، وأعضاء حزبها نفسه، لا بد أن يُصبح خرابة لا  تصلح لسكن الإنسان.

تقول مديرية الدفاع المدني العراقية، إن كانت قد صدقت وكشفت عن كامل الحقيقية وليس عن بعضها، إن العراق “شهد في الفترة الممتدة ما بين عامي 2013 و2017 فقط 272 حادث حريق في المستشفيات والمؤسسات الصحية الأخرى في محافظات العراق باستثناء نينوى، كانت حصة بغداد الرصافة منها 48 حريقا، والكرخ 33، وواسط 35، وبابل 22، وديالى 20، والبصرة وذي قار 17 لكل منهما، والنجف 15، وميسان 14، والأنبار 10، وكربلاء والقادسية 9 لكل منهما، وصلاح الدين والمثنى 8 لكل منهما، وكركوك 7 حرائق”.

وزارة داخلية رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، مصطفى الكاظمي المعوقة لم تأت على ذكر المصائب التي وقعت، ثم شكلت لجان التحقيق فيها على الفور، ثم وُضعت ملفّاتُها على الرفوف العالية، وأكبرها:

فاجعة جسر الأئمة 2005، وشهداؤها ألف ومائتا شهيد.

فاجعة الكرادة، وشهداؤها ثلاثُ مئة وأربعة وعشرون.

مجزرة سبايكر، وشهداؤها ألفان.

فاجعة سنجار، وشهداؤها ألفان.

عبارة الموصل، وشهداؤها مئة وعشرون.

فاجعة الانتفاضة التشرينية 2019،  وشهداؤها ثمانمئة، وما زالت الكواتم والرصاص الحي والعصيّ والهراوات تضيف إليهم شهداء وشهيدات، ولا تتوقف.

هذا ما عدا الفواجع التي لم تنل نصيبها من بيانات التعزية والمواساة في إعلام الحكومة وأحزابها وميليشياتها، ومنها فاجعة الفلوجة، وفاجعة الحويجة، وفاجعة جامع ساريه، وفاجعة جامع مصعب بن عمير، وفواجع جرف الصخر، وهلمّ جرا.

Thumbnail

وبالتدقيق والتمحيص نتوصل إلى معرفة الجاني الحقيقي الوحيد الذي فعل كل هذا بالعراق وبالعراقيين. فإيران التي تحكم العراق، مباشرة أو بالواسطة، تحتاج، لتحيل احتلالها، إلى وكلاء منفذين، شيعة وسنة، عربا وكردا، مسلمين ومسيحيين، وتشترط على المتقدمين المتطوعين لخدمة احتلاله ألا يكون رجل حقيقيا، وطنيا، شجاعا، شهما، ونزيها، بل إن أفضلهم لديها وأقربَهم إلى قلب وليّها الفقيه أكذبُهم وأكثرهُم انتهازية، وأقلُهم ذمة، وأشدُهم ظلما وقسوة.

ومنذ أن وقعت الواقعة وسمح الغزو الأميركي في 2003 بحلول الغزو الإيراني مكانه وبلاوي العراقيين لا تنتهي. فمن زلزلةٍ إلى أخرى أسوأ منها وأكثر إيلاماً ومضرة، ثم تعوّد العراقيون، في أعقاب كل جريمة قتلٍ بالجملة أو بالمفرق، على خروج رئيس الحكومة بتصريح ناري يجزم فيه بأنها ستكون الأخيرة، وبأن الفاعلين فيها لن يُفلتوا من عقابه الشديد، ثم يشكل لجنة تحقيق، ثم يُزور أسرة الضحية ويُهديها شدة دولارات ودمعة عين كاذبة، وتمر الأيام، وتمر الأسابيع، ثم ينسى الحاكم الجريمة، وينسى المحكومون الحكاية، ويفلت الفاعلون.

ولو قمنا بجردة حساب عاجلة لمجمل هذه الفواجع، وأحصينا عدد ما فقَد فيها الشعب العراقي الساكتُ القانتُ المولول من أبنائه وبناته في الانفجارات والاغتيالات والاعتقالات، منذ ثمانية عشر عاما أو يزيد، لكان من النادر القليل أن تجد منزلا عراقيا لم يُقم مأتما، أو لم يُشيع جنازة، أو لم يفتقد أبا أو أخا أو قريبا أو صديقا خرج ولم يعد.

وحكاية مستشفى ابن الخطيب التي احترقت وأحرقت ثمانين من نزلائها، ورمت العشرات من المرضى وذويهم من شبابيكها، لن تكون الأخيرة، ففي انتظار العراقيين كوارث قادمة أشد إيلاما وأكثر مضرة مادام هذا الحمام هو الحمام، ومادام هذا الطاس هو الطاس.

ترى لو حدث حريق كحريق مستشفى ابن الخطيب في دولة أخرى ذات سيادة، ولها كرامة، ويحكمها أبناؤها النجباء وليس الوكلاء، وتُسيُّرها القوانين والمؤسسات، أما كان يُلقى بوزير الصحة الصدري ومدير المستشفى في صناديق القمامة؟ وأما كان القضاءُ المستقل العادل النزيه الشجاع، وعلى الفور، جرجر رئيس الحكومة، قبل غيره، إلى ساحة القصاص؟ وأما كانت قد تفجرت مواكب الغاضبين وامتلأت شوارع الوطن وساحاته بالمنادين بالقصاص؟

فنكبةٌ من هذا النوع، وبهذا الحجم لا تحدث إلا في بلاد القبائل البدائية التي تعيش “في حظيرة الأغنام، وتُعلف كالأغنام، وتنام كالأغنام، وتتبول كالأغنام، وتدور كالحبّة في مسبحة الإمام”.

وهذه ليست تهمة، ولا شتيمة، بل هي صورة واقعية رسمتها أكداس الوثائق والملفات التي أكلتها الأتربة في مكتب رئيس الوزراء وهيئة النزاهة والبرلمان وساحة القضاء، مع المئات من حكايا الفساد والاختلاسات والعمولات التي اعترفت بها شخصياتٌ سياسية من داخل نظام المحاصصة البغيض، ولا حساب ولا عقاب.

ألم تسمعوا النائبة الصدرية، ماجدة التميمي، وهي ترد على من يلوم وزير الصحة المنتمي لتيار سيدها مقتدى فتقول إن “حرائق المستشفيات تحدث في كل دول العالم، ويجب ألا نُضخم الموضوع”؟

9