الوطن السياسي والوطن الروائي.. سجال الجغرافيا والأدب

الكاتب الفلسطيني يحيى يخلف يعتبر واحدا من الروائيين الذين يستطيعون التمييز بين الوطن السياسي والوطن الروائي، فتمكّنوا من التعبير عن مآسي التهجير ببعدها الإنساني.
الأربعاء 2018/07/18
فلسطين من الأرض إلى المخيم إلى الشتات

القاهرة – المكان في الرواية الفلسطينية كما هو في الحياة، يتبادل الأدوار مع الشخصيات، التي تحمله في داخلها بينما هو يحتويها.

وهذا يتجسد بشكل جليّ في روايات الكاتب الفلسطيني يحيى يخلف، حيث تواجه شخوصه واقعها المأزوم وحالة الاغتراب القسري التي تعيشها باجترار حكايات من الماضي أو بالحلم، ذلك لتستعيد توازنا مفقودا.

شعرية الأمكنة

خمسون عاما تفصل بين صدور رواية يحيى يخلف الأولى “نجران تحت الصفر” 1967، والعاشرة “اليد الدافئة” 2017، لم يكف خلالها الكاتب عن البحث عن أشكال للكتابة تناسب أحوال الشخصيات وما تمر به من أهوال. وقد حظيت تجربته الإبداعية باهتمام نقاد ودارسين منهم الدكتورة عالية الصفدي في كتابها “شعرية الأمكنة في روايات يحيى يخلف”، الصادر حديثا عن دار المعتز بعمان.

 

لكل إنسان وطن يعيش فيه، لكن الفلسطيني يحمل وطنه في قلبه، فمن يعيش في المنفى قسرا، ينسج في ذاكرته وطنا متخيلا، يحيا على أمل العودة إليه، ويرسم له صورا تحفظها الذاكرة، يستدعيها كلما هاج الحنين واستبد به، مما أوجد عنده ارتباطا شعوريا دائما بالمكان. ولهذا حضر المكان بقوة في الرواية الفلسطينية.

تخلص الدراسة إلى تصوير روايات يحيى يخلف للمكان المرجعي الحقيقي فلا وجود عنده لأماكن متخيلة، حتى عناوينه احتفت بالمكان مثل ”نجران تحت الصفر” و“نهر يستحم في بحيرة” و”بحيرة وراء الريح” كذلك كان للمكان الفلسطيني حضور واضح في إبداعات يخلف.

والكاتب يوظف المكان في رواياته ليحمل دلالات خاصة تتعلق بكونه مكانا مفقودا يقابله المنفى، والمخيم بما فيهما من عذابات تعانيها الشخوص. فحتى لو كانت الشخصيات تعيش في المنفى فإنها تعتمد في تصويرها للمكان على الذاكرة المشحونة بصور متعددة وأنماط مختلفة له. وفي روايات يخلف أمكنة مرجعية محددة بمناطق معروفة ذات وجود واقعي، لكنها خضعت لانتقاء دقيق من جانب الروائي حتى تتمكّن من حمل ما يريد من دلالات.

ويعتبر يحيى يخلف واحدا من الروائيين الذين يستطيعون التمييز بين الوطن السياسي والوطن الروائي، فتمكّنوا من التعبير عن مآسي التهجير ببعدها الإنساني. وقد تعمق في أمكنته سواء كانت مفتوحة أم مغلقة، مدركا العلاقة بينها وبين الزمان والشخوص.

ليست المدينة مجرد جزء من المجتمع، بل هي البوتقة المستوعبة لنتاج اختلاط الشعوب والأعراق وامتزاج ثقافاتهم، وفي روايته الأولى ”نجران تحت الصفر” احتفى يخلف بالمدينة، التي وصفها الضابط بأنها مخيفة وذات أسنان حادة، كذلك يراها شخص آخر ”قاسية وبلا قلب، نجران زوجة أب ظالمة”، بينما يرى كمال الغزاوي أن الحرب الطاحنة التي تشهدها المدينة بين الجمهوريين والملكيين في جوهرها معركة الرجعية ضد التقدم، ويرى أن تخلّف المدينة من أسباب ضياع فلسطين.

وفي رواية ” تفاح المجانين” يصف الروائي مخيم إربد في شمال الأردن بأنه ”بقعة من بلاد الغربة والشتات”، وفي “نشيد الحياة” نجد بيروت -من وجهة نظر الراوي- مركزا للثورة لذلك تحاصرها إسرائيل، وفي “بحيرة وراء الريح” نرى من خلال أوراق عبدالرحمن العراقي المتطوع في جيش الإنقاذ، صورة بغداد فترة نوري السعيد. وتصور الرواية طبريا ومدنا فلسطينية أخرى، ومحاولات تصديها لهجمات الصهاينة المدججين بالسلاح الإنكليزي، ملتقطا بدايات رحلة الشتات والغربة.

كذلك نجد لأريحا حضورا طاغيا في رواية “نهر يستحم في البحيرة” التي تزدحم بالمدن، بين مدن يزورونها وأخرى يمرون عليها في مساراتهم، أو مدن تزورهم من خلال الذاكرة المشحونة بالتفاصيل، وهكذا اختلفت أشكال حضور المدينة في روايات يحيى يخلف، لكن في “تلك الليلة الطويلة” تشكلت صورة المدينة من حوارات الشخوص أو من خيالاتهم.

المخيم والبيت والسجن

المخيم هو ظاهرة مكانية جديدة فرضتها النكبة، وتشترك كل المخيمات برغم اختلاف أماكن وجودها في كونها تجسّد اغتراب الفلسطيني وما يتعرض له من قهر، فانتقلت من الجغرافيا للأدب. وفي روايات يخلف يصوغ المخيم شخصيات ساكنيه، ويحدد نمط حياتهم، ويشكل علاقاتهم وفقا لعرف اجتماعي خاص كما نجد في روايتيه “نشيد الحياة” و”تفاح المجانين”، حتى في “نجران تحت الصفر” حضور المخيم عبر ذكريات كمال الغزاوي إذ ذكّرته به بيوت الصفيح في نجران.

الكاتب يوظف المكان في رواياته بدلالات خاصة تتعلق بكونه مكانا مفقودا يقابله المنفى والمخيم بما فيهما من عذابات

ويلاحظ القارئ لروايات يحيى يخلف أن نظرته للمخيم واقعية ترتبط بالفقر والجوع وانتظار إمدادات وكالة غوث اللاجئين، لكنه يكن مجرد مكان مؤقت للإقامة بل يصوره كرمز للوجود الفلسطيني، وكمركز لانطلاق المقاومة.

كما لاحظت الناقدة عالية الصفدي أن روايات يحيى يخلف حفلت بالأمكنة المغلقة مثل البيت والمقهى والسجن والمعسكر والمستشفى، وتتقارب أو تتباعد صور هذه الأمكنة تبعا لاختلاف موضوع الرواية. فمثلا في “نجران تحت الصفر” لم يقف عند البيت كثيرا، ولم يهتم بوصفه، بل يرد ذكره في جملة عابرة مثل ”صمتت بيوت نجران”، بينما في “تفاح المجانين” نرى البيت بصورة مغايرة، فقد أرادها الروائي مجرد مكان للنوم أو لتناول الطعام، لذا وصف البيت بأنه ”حوش يغص بالمستأجرين”، وفي “نشيد الحياة” يفتقر البيت إلى أبسط المرافق في إشارة إلى بؤس أحوال ساكنيه.

أما السجن، وسواء كان سياسيا أم لأسباب أخرى فهو فضاء للقهر واستلاب الحرية، ولم يصوره يحيى يخلف إلا في روايتيه الأوليين، ففي “نجران تحت الصفر” كان مكانا رئيسا ليلائم موضوعها، وجسدته الرواية سواء من خلال الوصف أو ذكريات الشخصيات وأحاديثهم المتبادلة، أما في تفاح المجانين فكان المخفر مكانا موازيا للسجن، فهو لم يحقق الحماية للشخوص بل قمع حرياتهم ومارس العنف ضدهم.

14