الوطن العربي ضحية احتكار الإسلاميين للإسلام وتحريفهم لمسار التحديث

قد يبدو لدارس تاريخ المنطقة العربية أن وصول المنطقة إلى هذا الوضع من الانحطاط أمر غريب فعلا ومناقض لما تقوله حقب العرب المسلمين في الماضي. لكنه يتدارك بمجرد التفطن إلى مشكل تكون الجماعات الدينية السياسية في الوطن العربي والتي حرفت هذه المنطقة عن مسار التحديث الطبيعي الذي يحمله التاريخ الإنساني، فيظهر التناقض جليا بين الإسلام الحق وإسلام الجماعات الإسلامية، وهو ما يفسر عزلتها وسقوطها.
الاثنين 2016/01/04
إفرازات حمى التاريخ العربي

شتان ما بين الشرق الفنان للمفكر الفيلسوف المصري زكي نجيب محمود وهذا الشرق الآني الذي يبدو مستعرا وأكثر اضطرابا مع إيجاز توصيفه بأنه شرق تتسارع أحداثه بنفس قدر تصارع إحداثياته وتفاصيله المتناثرة والتي لا تعرف لليقين سبيلا.

شرق المفكر زكي نجيب محمود انفرد بتقنيات ثقافية وتشكيلية بدت دافعا قويا لحضارات أخرى في النهوض والتقدم والارتقاء، وهو شرق اتسم بملامح رائدة ومبدعة في التأليف والتصنيف والترجمة وقطاعات الفنون بمختلف صنوفها.

الشرق العربي اليوم بمنأى عن طروحات المفكر والفيلسوف العربي زكي نجيب محمود عاد إلى طبائعه القديمة في عدائه المستدام مع حركة التفكير، ورجع القهقرى إلى سنوات غلق الاجتهاد والاكتفاء بالنقل من مصادر، إما غير موثوق بها أو مشبوهة الانتساب لشبهات تتصل بأصحابها متناسين دور القرآن الكريم في الحض على العقل وأهمية التفكير والتدبر وتأويل الأسباب والأحداث.

وهذا الشرق الذي كان يوما ما يتباهى بالعلم والمدنية وإعمال قوى العقل المختلفة في تشييد وبناء الأمم أصابه عطب مفاجئ يمكن إرجاعه في المقام الأول إلى النظم التعليمية العربية السائدة التي تهتم بالشكل دون أدنى مراعاة لطبيعة الظروف الآنية أو احتياجات المتعلمين الفعلية، ونلمح هذا بوضوح في سياقات الأنظمة التعليمية ذات الصبغة الدينية في معاهدنا العربية، حيث إن الطرح المعرفي وإن كان وجوبيا وضروريا للباحث المتخصص إلا أنه لا يعد وظيفيا ولا يتعلق بالحراك المجتمعي الذي يتطلب جهدا وقدرا من الاجتهاد.

التيارات الدينية استقرت على استخدام شعارات مراوغة تستهدف تقويض الوطن من الداخل
وغياب التنوير لا يمكن فصله عن حالة الشرق المضطرب والذي تجتاحه جماعات دينية متطرفة لا يمكن ربطها وإسلامنا الحنيف، هذا الغياب جاء بالضرورة وفقا لنظرية المؤامرة القديمة المتربصة بالشرق منذ مطلع القرن التاسع عشر والذي دعمته كافة المؤسسات والمنظمات الاستعمارية التي يؤرقها تطور الشرق ونماؤه.

ومما دعم هذا الجمود في تطوير الاجتهاد الفقهي ونماء التفكير الديني تغلغل التيارات الإسلامية السياسية التي سعت لنيل دور محوري في الدين والسياسة في وقت واحد، فكانت النتائج توظيف الدين لتحقيق مطامح سياسية ومطامع سلطوية، وإقصاء سياسيا لكافة الأطراف المغايرة في الأيديولوجيات، ويكاد يتفق الجميع على أن الشعوب العربية جميعها في حالة ولع بالدين عموما وهي فطرة محمودة، لكن تلك التيارات التي وجدت الفرصة سانحة على أرض الشعوب العربية نتيجة التفكك الذي أحدثته الأفكار والمنظمات والهيئات الأجنبية لتقويض الوطن العربي الكبير، فلعبت على هذا الولع وهذا التعطش المعرفي صوب الدين وتعاليمه.

وبدلا من أن تهتم تلك الجماعات بالتصدي إلى المؤسسات الاستعمارية وبعض حركات التبشير المعاصرة عن طريق وضع خطط ناجحة وناجعة أيضا لمواجهة هذه التحديات غير المنتهية، لهجت بشراسة إلى تقديم أيديولوجيات استثنائية خاصة ترتبط بأشخاص دون النبي، واعتبرت هذه الجماعات أن ثمة أشخاص تمثل المرجعيات الدينية الحصرية للإسلام، والكارثة أن المواطن العربي ربط إسلامه بأشخاص رغم أن الدين لا يعترف بمنطق الكهنوت ولا يفطن للواسطة البشرية طريقا وسبيلا.

تغلغل التيارات الإسلامية السياسية دعم هذا الجمود في تطوير الاجتهاد الفقهي ونماء التفكير الديني

واستقرت التيارات الدينية على استخدام شعارات مراوغة تستهدف تقويض الوطن من الداخل عن طريق التشكيك في الحكومات والأنظمة السياسية، وتنصيب أنفسهم وكلاء لله في الأرض مستغلين في ذلك أمرين؛ الأول حالة العطش المعرفي الديني لدى الكثير من البسطاء، والثاني غياب المؤسسات الدينية الرسمية في أداء وظائفها الوجوبية التي تعد فرض عين عليها.

وسرعان ما طفقت التيارات الدينية إلى تكوين جمعيات وأحزاب سياسية تحت دعاوى الوازع الديني وضرورة مواجهة مظاهر التحلل الأخلاقي والديني في المجتمعات العربية، والمدهش حقا وربما يحتاج إلى تفسير هو لماذا سقطت هذه الحركات كلها بل وواجهت حملات ضارية من الغضب الشعبي؟

الإجابة تبدو بسيطة وسهلة أيضا يمكن تحديدها في عبارة “احتكار الدين”. إن تلك الجماعات والحركات والتي يمكن تحديدها وفقا لخريطة الانتشار الجغرافي التي رصدها الباحث جمال سند السويدي في كتابه الصادر حديثا (2015) بعنوان “السراب”، في جماعة الإخوان المسلمين والتيار السلفي والتيار السروري والتنظيمات الجهادية بمصر وباكستان وأفغانستان والعراق وأندونيسيا، فجميع تلك الحركات حاولت وحدها احتكار واقتناص الحق في توضيح

معالم الإسلام وبالقطع من زاوية واحدة، رغم أن الإسلام نفسه يشير إلى التعددية الدينية التي هي من أبرز ملامحه، والإسلام وحده الدين الذي أباح التنوع الثقافي وتعدد الروافد، فأدى هذا الاحتكار والتناقض بين “إسلامهم” والإسلام الحقيقي إلى انهيار هذه الحركات.

13