الوطن بين سياسي أحول عقل ومواطن أثول

الخميس 2015/07/02

يعني الحول بالمفهوم العام عدم وضوح رؤية الأشياء بسبب خلل في عضلات العين. وبهذا المعنى يكون الحول العقلي عدم وضوح الأفكار والرؤى بسبب خلل في عقل المصاب به. وتختلف مستويات هذا الخلل بحسب حدتها، من الشيزوفرينيا بأنواعها، إلى البارانويا بأنواعها، إلى الدوغماتية التي تعد علّة الحول العقلي لدى معظم السياسيين العراقيين.

ومن متابعتنا لأقوالهم وأفعالهم وجدنا أن أكثر أعراض الحول العقلي الإدراكي لديهم تتمثل بالآتي:

يرى إيجابيات جماعته ولا يرى سلبياتها، ويرى سلبيات الجماعة الأخرى ولا يرى إيجابياتها.

يرى جماعته على حق دائم، والجماعة الأخرى على باطل دائم.

يحمّل الجماعة الأخرى أسباب الفشل السياسي وخلق الأزمات، مع أنه شريك فاعل في خلقها.

لا يعترف بخطئه، فيقين الأحول عقل، ما يراه فقط وليس ما هو واقع.

سياسيا، كان سبب هذا الحول هو بول بريمر بتشكيله مجلس الحكم على مبدأ “التثليث”. ولأن الوضع النفسي في حينه كانت تحكمه سيكولوجيا الضحية والجلاّد، حيث الشيعة والأكراد هما الضحية، والسنّة هم الجلاّد، فإن الأمور تطورت إلى احتراب طائفي سخيف وصل فيه عدد الضحايا في أحد أيام يوليو من عام 2007 إلى مئة روح بريئة كان الفرد فيها يقتل لمجرد أن اسمه حيدر أو عمر أو سيروان.

ومن متابعاتنا “الفضائية” تبين أن في البرلمان أفرادا مصابين بعصابيات مرضية. فمنهم من لديه ميول سادية، وآخر شعور بالمظلومية، وثالث يغلي في داخله برميل حقد، وغالبيتهم يمارسون “الإسقاط”، أعني ترحيل عيوبهم ورمي الفشل على الآخر، والانشغال بالتنقيب عن رذائل المقابل وتنزيه نفسه، مع أن فيه من الرذائل ما لا يقلّ عن صاحبه. ولهذا كان البرلمان مصدر إحباط وتصعيد للتوتر بين الناس، بدل أن يكون مصدر تطمين لهم. والواقع أن البرلمان العراقي لا يمثل الشعب بل هو نتاج البارانويا التي أشاعتها الشخصية السياسية، لدرجة أن جماهير الشيعة التي وصلت حد الجزع من سوء حالها الحياتي (لحكومة شيعية) صارت تأتي بسياسي طائفي قليل الخبرة، لأنه نجح في إخافتهم بأنهم إن لم ينتخبوه فإن السنّة سيفنونهم، والشيء نفسه عن جماهير السنة.

وما يزيد من حماقة البارانويا السياسية أنها إذا طبخت على نار الطائفية والعرقية صار شفاء أصحابها قريبا من المستحيل. وبالصريح المرّ فإن الشخصيات السياسية العراقية الحالية غير قادرة على أن تقتلع شكوكها وتحسن الظن بالآخر، لأن البارانويا برمجت خلايا أدمغتهم بثلاث عقد عبر الزمن: عقدة إنتاج الخوف الموروثة من الماضي، وعقدة الرعب المعاش في الحاضر، وعقدة توقع الشر والإفناء في المستقبل، ونجم عنها، سيكولوجيا، أن حسابات الجميع صارت تستخدم آليات الربح والخسارة، في بيئة صراعية ليس فقط بين السياسيين المحسوبين على طائفة أو قومية، بل وبين كتل وأحزاب الطائفة الواحدة والقومية الواحدة حتى لو كانت بحدود المليون فردا.

والأثول، بالمفهوم الشعبي العراقي، هو الغبي الذي يكرر الخطأ ولا يعرف مصلحته. والمقصود به هنا جماهير الشيعة والسنة الذين شاركوا في الانتخابات التشريعية الثلاثة، وتحديدا كل من انتخب مرشحا للبرلمان لكونه ابن طائفته مفضلا له على مرشح يحمل دكتوراه في الاقتصاد السياسي، حتى لو كان ابن طائفته أيضا، ولكنه من غير عشيرة.

وأسخف حالات الأثول الشعبي العراقي تلك التي جسدتها الحلقة السابعة من المسلسل المميز (سيلفي) بعنوان إقلاع اضطراري (بثت مساء 24 من شهر يونيو) وخلاصتها أن شابين يلتقيان صدفة في المطار، فيحب أحدهما الآخر لأن كليهما يحبان إقامة العلاقات مع الفتيات الأجنبيات، والسهر والشرب. ويتباهى (ناصر القصبي) بأن له خبرة ممتازة في الانحراف والأماكن المشبوهة والمراقص، تجعل صديقه ينبهر به، فيقول له بأنه مستعد للانحراف ومحتاج من يضعه على الطريق وهو يكمل الباقي.

يصعدان الطائرة، يتحدثان، فيسأل (ناصر) عن اسم صاحبه فيقول له: عبدالنبي عبدالزهرة حسين، ويسأله عن اسمه فيجيبه: يزيد بن عمر، ومن هنا يبدأ كلاهما بالهجوم على معتقدات الآخر، وتسخيفها، من زواجي المتعة والمسيار، إلى لقبي الروافض والنواصب، وينتهيان إلى عراك بالأيدي داخل الطائرة.

عند الهبوط، يحتجزانهما في المطار ويبدأ المحقق الأجنبي معهما مستفسرا عن السبب، فيخبره المترجم أنهما تشاجرا بسبب (الحسين ويزيد)، فيأمر المحقق بإحضار (حسين ويزيد) للاستجواب، فيجيبانه بأنهما ماتا من 1400 سنة، يندهش المحقق ويصدر أبلغ قرار: يحالان إلى مستشفى الأمراض العقلية.

تلك هي حال الوطن، ضاع بين سياسي أحول عقل ومواطن أثول، وأخشى أن يأتي يوم يكون العراق، بسببهما، غير موجود على خارطة العالم.

رئيس الجمعية النفسية العراقية ومؤسسها

9