الوطية عقبة أمام مشروع الإخوان في غرب ليبيا

رغم الطيران التركي ودعم المرتزقة، هجوم أنقرة والوفاق على القاعدة العسكرية ينقلب ضدهما.
الخميس 2020/05/07
تصويب أخطأ الهدف

فشلت حكومة الوفاق وداعمها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تحقيق الاختراق الاستراتيجي الأهم الذي تطلعا إليه وهو السيطرة على قاعدة الوطية الجوية. وضع الطرفان ثقلهما على الهجوم الذي شنته قوات حكومة الوفاق تحت غطاء جوي تركي الثلاثاء، لكنه لم يسفر إلا عن زيادة في عدد القتلى وخسارة جديدة تضاف إلى رصيدهما.

 تونس - مساء الاثنين الماضي، ظهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على شاشة التلفزيون بعد اجتماع لقيادة حزب العدالة والتنمية ليعد الأتراك بأنهم سيكونون على موعد مع أخبار سارة تأتيهم من ليبيا بعد ساعات. وقبل ذلك بيوم واحد كان على اتصال مع رئيس حكومة الوفاق بطرابلس فايز السراج لتنسيق مواقف ما بعد الحدث المنتظر الذي كان أردوغان يتابع أدق تفاصيل الإعداد له من خلال اتصاله الدائم بقاعة غرفة العمليات المشتركة في إسطنبول، المشرفة على إدارة المعارك في الغرب الليبي.

في الأثناء، كانت هناك تحركات حثيثة يحاول القائمون عليها عدم لفت الانتباه إليها، وتدور في عدد من مدن غرب البلاد: الزاوية وزوارة على الشريط الساحلي، ونالوت في الجبل الغربي، مع جحافل من المسلحين المستقدمين من مصراتة وطرابلس ومن المرتزقة السوريين. والهدف هو قاعدة عقبة بن نافع الجوية بمنطقة الوطية الواقعة 140 كلم جنوب غرب طرابلس.

هناك إجماع لدى الأتراك وحلفائهم في ليبيا والمنطقة على أن السيطرة على قاعدة الوطية ستمثل منعطفا للأحداث وهزيمة مدوية للجيش الوطني في المنطقة الغربية، نظرا لما تكتسيه من أهمية إستراتيجية حيث تغطي كافة المنطقة الغربية ومنها يمكن تنفيذ عمليات قتالية جوية ضد أهداف عسكرية إن دعت الحاجة للدولتين المحيطتين بليبيا؛ تونس والجزائر.

بنى القاعدة الأميركيون عقب الوصاية الدولية الثلاثية بين بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة على ليبيا، المستعمرة الإيطالية السابقة، عام 1942. وتمسح حوالي 50 كلم مربع. وتعتبر القاعدة العسكرية الوحيدة في ليبيا التي لا علاقة للطيران المدني بها حيث أن أغلب القواعد العسكرية في ليبيا تستعمل كمطارات مدنية مثل بنينا وطبرق والأبرق ومعيتيقة وسبها.

كما أنها ذات أكبر بنية تحتية عسكرية حيث تستطيع القاعدة الجوية استيعاب وإيواء 7 آلاف عسكري. وتم بناؤها على أساس التحصينات المحيطة بالقاعدة (التضاريس الجغرافية) بالإضافة إلى أنها تمتلك أكبر تحصينات خارجية، حيث أن أغلب المطارات العسكرية الأخرى في ليبيا بنيت على أساس وقوعها في مدينة إستراتيجية مثل قواعد معيتيقة وبنغازي ومصراتة والجفرة وسرت وطبرق وسبها والكفرة ووادي الشاطئ ومرتوبة.

قاعدة مختلفة

كان الجيش الوطني الليبي قد سيطر على قاعدة الوطية منذ انطلاق عملية الكرامة في 2014. وتم تكليف قيادات من المنطقة الغربية بالإشراف عليها، حيث جرى تشكيل غرفة عمليات تابعة للقيادة العامة تشرف على العمليات الحربية في غرب البلاد، ولديها القدرة على توسيع نشاطها إلى وسط البلاد وجنوبها.

عندما بدأ التدخل التركي المباشر في ليبيا بعد توقيع مذكرتي التفاهم بين أردوغان والسراج في أواخر نوفمبر الماضي، كان هدفه الأول استبعاد قوات الجيش عن طرابلس والمناطق المحيطة بها لضمان عدم المساس بمنظومة الحكم التوافقي بين المجلس الرئاسي وقوى الإسلام السياسي وأمراء الحرب. لكن، هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إلا بإعادة الجيش إلى مواقعه في مرحلة ما قبل الرابع من أبريل 2019.

السيطرة على قاعدة الوطية العسكرية تمثل نجاحا إستراتيجيا مهما لهم وتحولا كاملا في سير المعارك بالغرب الليبي

وأدرك الجانب التركي أن بسط نفوذ الإخوان على طرابلس لن يتحقق إلا بالسيطرة على إقليمها التاريخي كاملا، وهو ما يمثّل معضلة حقيقية على أرض الواقع. فالمنطقة الغربية منقسمة على ذاتها، وأغلبها داعمة أو حاضنة للجيش الوطني. لذلك تم في 14 أبريل الماضي الهجوم الكبير على مدن الساحل الغربي مثل صرمان وصبراتة. وبسط نفوذ ميليشيات الوفاق عليها. وكان الهدف الأهم هو قاعدة الوطية التي تمثل ركيزة الإستراتيجية العسكرية للقيادة العامة في المنطقة الغربية. فتم تنفيذ عدد من الهجومات عليها لكنها فشلت. وتم دحر الميليشيات سواء القادمة من الساحل أو من الجبل الغربي.

وعلى مدى الأسابيع الماضية كان الطيران التركي المسير يقصف قاعدة الوطية ما أسفر عن مقتل أكثر من 30 عسكريا. بينما كان سلاح الجو الليبي يشنّ بدوره غارات على أرتال الميليشيات والمرتزقة سواء النازلة من الجبل الغربي أو الصاعدة من الساحل باتجاه الجنوب. وهو ما أسفر عن مقتل العشرات، فيما برزت نذر اندلاع حرب أهلية في المنطقة الغربية في حال سيطرة الغزاة والإرهابيين على القاعدة بما تمثله من رمزية خاصة لدى القبائل العربية المحيطة بها أو القريبة منها كالرجبان والزنتان والصيعان والنوايل وغيرها، خصوصا وأن الطرف المقابل يعتمد في جانب كبير من قواته على الأمازيغ، بما يعني ذلك من حساسية عرقية ومذهبية يزيدها التدخل التركي ضراوة.

متابعة لحظة بلحظة

ميليشيات زاحفة
ميليشيات زاحفة

صباح الثلاثاء الماضي (5 – 5 – 2020)، كانت ميليشيات مصراتة والزاوية وزوارة ونالوت وقوات أسامة الجويلي المدعومة بالمرتزقة الأفارقة ووحدات من مصراتة مدعومة بالمرتزقة السوريين قد هاجمت قاعدة الوطية تحت غطاء جوي تركي.

كان أردوغان يتابع بنفسه التحركات، فيما كان فايز السراج قد أعد كلمة ليتوجه بها بلهجة المنتصر إلى الليبيين، وبالأخص إلى القوى الدولية المؤثرة. وكانت وسائل الإعلام الإخوانية قد بدأت في توجيه إشارات بقرب تحقيق الهدف. وكان إخوان دول الجوار يتابعون التطورات بعد أن تم إعلامهم بالموعد، فالسيطرة على القاعدة تمثل نجاحا إستراتيجيا مهمّا لهم وتحولا كاملا في سير المعارك بالغرب الليبي.

بالمقابل، كان الجيش الليبي يتابع كل الخطوات لحظة بلحظة. وكان على علم بموعد الهجوم، وبهويات المشاركين فيه. لذلك خيّر أن يحول موقف الاستعداد لمواجهة المهاجمين إلى كمين يقضي فيه على أكبر عدد ممكن من المرتزقة والإرهابيين، وهو ما حدث فعلا، حيث أطبقت قواته على الميليشيات الزاحفة، وكبدتها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.

أدى تدخل الطيران التركي المسير إلى مقتل آمر كتيبة حماية القاعدة الرائد أسامة مسيك، وهو من أبناء الزنتان، مع عشرة آخرين من العسكريين من قبائل ومدن وقرى المنطقة الغربية، وخاصة الزنتان والرجبان وصبراتة والجميل والغنايمة وزلطن وصرمان.

وتم تسجيل مقتل ما لا يقل عن 40 عنصرا ميليشياويا أغلبهم من مصراتة وطرابلس والزاوية وزوارة. وكان من بينهم اثنان من أمراء الحرب في الزاوية وهما فراس الوحشي وهشام البرشيني، وعبدالرحمن الشاوش آمر ميليشيا القبرة من مصراتة ومحمد مطوع نالوت آمر ميليشيا الصمود، وعبدالرحمن علي معتوق القيادي بميليشيا المجلس العسكري الزنتان الموالي لحكومة السراج.

كان لافتا أن بدء الهجوم الميليشياوي المخطط له والمدعوم من قبل أردوغان تزامن مع تغطية إعلامية واسعة من قبل وسائل الإعلام التركية والقطرية والإخوانية التي كانت تتحدث عن انتصار كبير بـ"تحرير القاعدة"؛ فيما كان فايز السراج يعلن عن مبادرة جديدة للحل السياسي، رحّب فيها بشكل مفاجئ بجميع المبادرات السياسية التي تدعو إلى إيجاد حلول سلمية للازمة الراهنة بعيدا عن الاقتتال وفرض الأمر الواقع بقوة السلاح وحقنا للدماء.

وقال السراج في تصريح “نقدر عاليا تضحيات وانتصارات جيشنا البطل (في إشارة إلى الميليشيات وجماعات المرتزقة)، ونؤكد على ضرورة توحيد الصفوف لدحر المعتدي وتبديد حلمه في الاستيلاء على الحكم بقوة السلاح، وتكثيف الجهود للمساهمة مع أبناء الوطن في بناء الدولة المدنية الديمقراطية المنشودة”.

وأضاف “وفي هذا الصدد يدعو رئيس المجلس الرئاسي جميع الأطراف والقوى السياسية إلى تحمل مسؤولياتها لإنهاء الانقسام، وإلى ضرورة الإسراع في استئناف الحوار السياسي برعاية الأمم المتحدة من أجل الاستعداد للمرحلة القادمة والتوافق على خارطة طريق شاملة ومسار سياسي يجمع كل الليبيين، سواء كان ذلك بتعديل الاتفاق السياسي وتشكيل مجلس رئاسي من رئيس ونائبين ورئيس حكومة منفصل، أو بالتوافق على مسار دستوري وانتخابات عامة في أقرب الآجال”.

كان السراج متأكدا من السيطرةعلى قاعدة الوطية. وكان هدفه توجيه رسالة اعتذار مبطنة إلى الأمم المتحدة وسكرتيرها العام الذي سبق أن دعا إلى هدنة إنسانية رفضها الأتراك، لكن النتيجة كانت عكس ما ينتظره.

7