الوظيفة مرتبة اجتماعية تضمن العلاج من عدمه في تونس

كورونا يكشف أفضلية للعلاج في المصحات الخاصة حسب التراتب الاجتماعي والإمكانيات المالية.
السبت 2020/11/28
ما ذنب المواطن البسيط

“العلاج بشكل متساو لجميع المواطنين” في تونس، كذبة كشفها تفشي فايروس كورونا الذي ألقى الضوء على التمييز الاجتماعي في تلقي العلاج خاصة بالمصحات الخاصة، في ظل وجود “لوبي” طبي وقطاع خاص استثماري يستقويان أكثر مع مرور الوقت.

تونس – يكفل الدستور التونسي في بنده عدد 38 الحق في الرعاية الصحية لكل مواطن، وتوفير الإمكانيات الضرورية لضمان السلامة وجودة الخدمات الصحية، كما تضمن الدولة العلاج المجاني لفاقدي السند، ولذوي الدخل المحدود، إضافة إلى الحق في التغطية الاجتماعية طبق ما ينظمه القانون.

لكن هذا الحق الدستوري، الذي يتيح العلاج بشكل متساو لجميع المواطنين، لم يصمد كثيرا في أزمة وباء كورونا التي عرت الصعوبات التي يعاني منها القطاع الصحي وتردي أوضاعه ومحدودية إمكانيته.

وفيما غرقت الصحة العمومية في أزمتها مع ارتفاع الإصابات رافقه نقص في الأسرّة المخصصة لمرضى كوفيد – 19، لم تكفل المصحات الخاصة العلاج للجميع بسبب شروطها المالية المجحفة، مع تجاوز كلفة العلاج في القطاع الخاص القدرة المالية لغالبية المواطنين.

مهدي مبروك: المصالح القطاعوية تأتي على حساب حقوق المواطنة
مهدي مبروك: المصالح القطاعوية تأتي على حساب حقوق المواطنة

وأعادت حادثة وفاة القاضية سنية العريضي على خلفية إصابتها بفايروس كورونا إلى دائرة الضوء التمييز الاجتماعي في تلقي العلاج داخل المصحات الخاصة، والذي تحظى بالأولوية فيه وظيفة المريض ورتبته الاجتماعية.

وبحسب رواية القضاة الذين نددوا بوفاة زميلتهم عبر إعلانهم الاحتجاج لمدة خمسة أيام متتالية، فإن القاضية الضحية اضطرت أثناء فترة العلاج إلى مغادرة مصحة خاصة بعد مطالبتها بشيك ضمان بقيمة تناهز 11 ألف دولار وتعقدت لاحقا حالتها الصحية قبل أن تفارق الحياة متأثرة بمضاعفات الفايروس.

بدوره، حمل خالد شرف الدين، زوج القاضية سنية العريضي، إحدى المصحات الخاصة في نابل مسؤولية تعكر حالة الضحية بسبب إضاعة الوقت قبل أن يتقرر إيواؤها بالمصحة، حسبما نقلته وسائل إعلام محلية.

وأكد أن إدارة المصحة طلبت منهم مبلغا ماليا مرتفعا كضمان (30 ألف دينار) وبعد مفاوضات دامت قرابة الساعة تم قبولها، وأضاف أنه بعد تدخل من وزير العدل تم نقلها إلى المستشفى العسكري حيث وافتها المنية.

وذكرت تقارير إعلامية أن المحكمة الابتدائية بنابل، أذنت بفتح تحقيق ضد إحدى المصحات الخاصة من أجل عدم الإنجاد القانوني في وفاة القاضية سنية العريضي والتي تعمل بالمحكمة الابتدائية بنابل.

وقاد وفاة القاضية جراء الوباء دون أن تتوفر لها فرصة العلاج بسبب الغلاء الشديد للخدمات الصحية في المصحات الخاصة إلى حالة من الاستياء والغضب لدى الشارع التونسي.

وما زاد من حالة الاستنكار والسخط الشعبي على ما آل إليه القطاع الصحي من تهاو كبير، تصريحات مدير المصحة التي رفضت إيواء المريضة، حيث قدّم اعتذاره مبررا ما حدث بسبب ظنه أن المريضة “مواطنة عادية” ولم يكن يعلم أنها “كانت قاضية”.

نقائص بالجملة
نقائص بالجملة

وفتحت الحادثة على ما يشكوه المواطن من تمييز في جميع الخدمات وأبرزها الخدمات الصحية التي تكون فيها الأولوية للرتبة الاجتماعية. وصار تجاهل إيواء المواطنين من ذوي الدخل المحدود في المصحات الخاصة ظاهرة متكررة في البلد خلال السنوات الأخيرة.

وحملت جمعية المحامين الشبان في بيان لها، الحكومة التونسية ووزارة الصحة على وجه الخصوص مسؤولية وفاة القاضية وكل المواطنين الذين قضوا نحبهم جراء جشع واستهتار المشرفين على المصحات الخاصة.

ودعت جمعية المحامين، إلى المساواة بين جميع المواطنين في الحق في التداوي بجميع المستشفيات العمومية دون استثناء بما فيها المؤسسات الاستشفائية العسكرية بكامل التراب التونسي وتعميم المستشفيات الميدانية والتكثيف من التحاليل، مطالبة الحكومة بالتعاطي بأكثر جدية وتوفير الاعتمادات الضرورية لمجابهة الموجة الثانية من الوباء.

وطالبت الجمعية بمراجعة عميقة داخل مرفق الصحة خاصة في ما تعلق بتدهور أوضاع الصحة العمومية مقابل تغول المصحات الخاصة خدمة لرؤوس الأموال على حساب المصلحة الوطنية.

صلاح الدين بن فرج: الخدمات الصحية باتت تسند حسب المهنة والدرجة الاجتماعية
صلاح الدين بن فرج: الخدمات الصحية باتت تسند حسب المهنة والدرجة الاجتماعية

وتوجد في تونس قرابة 100 مصحة خاصة منتشرة في جميع المناطق والولايات، وتوظف حوالي 17000 شخص، ولها طاقة استيعاب تناهز 6 آلاف سرير (20 في المئة من المجموع الوطني).

ويمثل هذا القطاع المتنفس الثاني للرعاية الصحية في حال حدوث أزمة تتجاوز قدرات القطاع العام. ووجدت وزارة الصحة في دعم المصحات الخاصة عبر إيواء المرضى منفذا لمواجهة الوباء. ومنذ اندلاع حالة الطوارئ الصحية، أعلن أطباء القطاع الخاص عن تطوّعهم لمعاضدة جهود زملائهم في القطاع العام لتأمين الرعاية الصحية للمرضى.

مع ذلك كانت معاضدة المصحات الخاصة محدودة في ظل ارتفاع الإصابات وتمسك المصحات بثمن العلاج الباهظ كما أنه امتياز لا يحظى به إلا أصحاب الرتب والوظائف الاجتماعية المرموقة. وهو ما طرح إشكالية مجتمعية: هل أن الأفضلية في الخدمات الصحية باتت حسب الوظائف، هل باتت الوظيفة رتبة اجتماعية تخوّل لصاحبها التمتع بالعلاج، فيما يقع تجاهل المواطن البسيط وتركه رهن مصيره الذي قد يكون الموت.

يرد هنا خبراء الاجتماع بالقول إن ظاهرة التمييز في الخدمات الصحية تعمقت بشكل كبير في البلد الذي يعاني من أزمة اقتصادية واجتماعية حادة، حيث أسهمت حالة الركود الاقتصادي جراء تداعيات وتكلفة الانتقال الديمقراطي وما رافقها من تحولات واحتجاجات، في تآكل الطبقة الوسطى بعد أن ازدادت مساحة الفقر وازداد معها عدد الفقراء.

ومع تزايد نسبة الفقر التي سجلت أرقاما غير مسبوقة، لم يعد الجميع بوسعهم القدرة على تحمل تكاليف العلاج خاصة مع ظهور الوباء، في المقابل تعيش المستشفيات العمومية ضغطا كبيرا مع تجاوزها طاقة الاستيعاب، أما المصحات الخاصة بدورها تشكو من هجرة المرضى وشلل في عملها الذي يهدد الكثير منها بالإفلاس.

ويلاحظ صلاح الدين بن فرج المختص في علم الاجتماع في حديثه لـ”العرب” أن “هناك نسقا متسارعا للتمييز، ما يكشف عمق الهوة بين منطق الدولة العادلة التي تضمن الحق في الصحة ضمن دستورها لكل مواطنيها وبين ما يمكن القول بوجود لوبي طبي وقطاع خاص استثماري يستقويان أكثر مع مرور الوقت”.

فرصة العلاج ليست للجميع
فرصة العلاج ليست للجميع 

وإن أقر بن فرج بأن القطاع الخاص لعب دورا إيجابيا في إطار ما يقدمه من خدمات صحية أفضل مقارنة بالقطاع العام، إلا أنه يعزو السبب إلى انجراف الكفاءات من القطاع العام إلى القطاع الخاص ومحدودية قدرات الدولة في رد الاعتبار إلى القطاع العمومي جراء ما يعانيه من ضغوط وأزمة مالية، حيث ساهما في ازدهار القطاع الخاص الذي بات اليوم مسيطرا على القطاع الطبي.

ويستنتج بن فرج أن المواطن من ذوي الإمكانيات المحدودة هو ضحية ما تعانيه المنظومة الصحية، كما بات عرضة للتمييز. ورأى أن “الخدمات الصحية اليوم باتت تسند حسب الدرجات الاجتماعية والمهنة”.

بدوره، يشير مهدي مبروك أستاذ علم الاجتماع في حديثه لـ”العرب” إلى “إعطاء الأولية في العلاج حسب سلم التراتب الاجتماعي، وهي ظاهرة موجودة في كل العالم، حسب تأكيده.

حاتم عشاش: فرض المصحات ضمانا ماليا قبل العلاج سلوك تجاري
حاتم عشاش: فرض المصحات ضمانا ماليا قبل العلاج سلوك تجاري

ويعلق بالقول “القاضي له الحق في العلاج في المصحات الخاصة أما المواطن العادي يحرم من ذلك”. ويشير إلى أن “التعامل حسب سلم التراتب الاجتماعي مناهض لحقوق الإنسان والمواطنة”.

ويفسر مبروك تمسك المصحات بتكلفة العلاج الباهظة، والتي لم تخضع لاستثناءات حسب حوادث صحية أثارت تعاطف الشارع، بما يطلق عليه “بالمصالح القطاعوية”، حيث تريد بعض القطاعات افتكاك مصالح لفائدتها على حساب حقوق المواطنة وما جاء في الدستور.

وفي خضم ما تتعرض له المصحات الخاصة من انتقادات متواصلة في تونس على خلفية تعاطيها مع أزمة الوباء، ترفض هذه المؤسسات الصحية ما تتعرض له من انتقادات وتصفها بحملة تشويه بسبب مغالطات ما يقع ترويجه عن تكلفة العلاج.

وذكر رئيس الغرفة النقابية الوطنية لأصحاب المصحات الخاصة بوبكر زخامة في تصريحات لوسائل إعلام محلية أنّ “المصحات الخاصّة تعمل على معاضدة مجهودات الدولة والقطاع العام لمجابهة أزمة كورونا” معتبرا “إنقاذ حياة التونسيين أهم من فاتورة العلاج”.

وبيّن زخامة أن “معلوم المصاريف الكاملة تُخصص نسبة 70 في المئة منه للأدوية والمستلزمات الطبية وأجر الطبيب ويبقى للمصحة ما يقل عن 30 في المئة يتم استخدامه لخلاص أجور الموظفين ولصيانة المصحة”، وتابع أنّ “المصحات بريئة من كلّ الاتّهامات”.

وتأتي الانتقادات لقطاع الصحة الخاص، وسط دعوات بضرورة معالجة مشاكل الصحة العمومية، وضمان المساواة في العلاج لجميع التونسيين.

20