الوظيفة يمكن أن تجعل من الإنسان العادي بطلا في مجتمعه

قداسة بعض الوظائف تخضع للمزاج المجتمعي ونظرة الناس إليها.
السبت 2020/05/30
الناس ينتظرون من الأطباء والممرضين أن يضحوا بأنفسهم في سبيلهم

تصنيف الوظائف يتغير يوميا، فالوظيفة المبجلة اليوم قد تنزل إلى سلم الترتيب غدا. فالأمر لا يخضع إلى العرض والطلب بقدر ما يخضع لمزاج الناس في المجتمعات.

لندن - “يقوم بوظيفته لقاء أجر.. وهل أرسل صاروخا إلى القمر مثلا؟ فايروس كورونا لم يزرنا أصلا هنا”، كانت إجابة سيدة مسنة في مستشفى قرية بمحافظة تونسية تعرضت لانتقادات من سيدة أخرى لعدم صبرها بعد نفاذ صبرها في قاعة الانتظار ولم يكلف الممرض المشغول نفسه عناء سؤالها عن أوجاعها.

ثارت ثائرة السيدة بعد أن طالبتها سيدة في مثل سنها في قاعة الانتظار بالصمت، فهذا الممرض الذي تنتقده اليوم قدم “تضحيات” لمكافحة كورونا.

اختلف كلام السيدة الأخرى في قاعة الانتظار شكرت الممرضين والأطباء الذين ضحوا براحتهم وسعادتهم من أجل أن ينعم غيرهم بالصحة.

تناسى الجميع بسرعة التضحيات التي قدمها الممرضون ليس في تونس فقط بل من حول العالم ففي حين كان المليارات من الناس ولا يزالون تحت طائلة إجراءات الحجر الصحي بمنازلهم، استمر عاملو الرعاية الصحية في التصدي للوباء على الخطوط الأمامية.

وشبه محمد علي، الممرض في المستشفى، الأمر بنكران الجميل، ويقول إنه “الشيء ذاته الذي يحدث للجندي بعد انتهاء الحرب حيث يتحول من بطل يحمل على الأكتاف إلى إنسان عادي، وفي أغلب الأوقات إلى لا شيء”.

وكما الجنود في الحرب، يبجل رجال الإطفاء عند تصديهم للحرائق أو رجال الأمن عند القبض على المجرمين. ويعرف الناس أيضا قيمة رجال النظافة أو المعلمين حين تنفيذهم إضرابا، لكن زلة واحدة من هؤلاء أو غيرهم كفيلة بأن تقلب عليهم المجتمع. وفي غياب الزلات يتعود المجتمع على تضحياتهم ويتحول الأمر إلى أكثر من عادي.

في يوم 11 مايو الجاري، احتفل الممرضون بيومهم العالمي في وقت يواجهون فيه خطر الإصابة بكورونا أكثر من غيرهم، خاصة مع معاناة بعضهم في بلدان كثيرة من قلة وسائل الحماية.

وليس بغريب أن يقول مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس إن “الممرضين والممرضات هم الركيزة الأساسية للأنظمة الصحية”.

وفي مصر توفي 6 من عناصر التمريض بسبب كورونا، “ورغم ذلك يقاتلون لأداء الخدمة إلى المرضى”، بحسب نقيبة التمريض في مصر الدكتورة كوثر محمود، مشيرة إلى أن التمريض يؤدي أكثر من 70 في المئة من الخدمات الطبية إلى المريض.

ليس الممرضون وحدهم من يعانون، الأطباء بدورهم “ذاقوا ألأمرين” بسبب وصمة العار التي تلاحقهم.

ففي العراق؛ أغلق منزل طبيبة عراقية بكتلة إسمنتية بعد إصابتها بفايروس كورونا حين كانت تكافح الوباء في المستشفيات العراقية.

وكشفت دراسة صدرت العام الماضي، عن أكثر المهن التي يحظى أصحابها بالتقدير في العالم، لكن هذه النظرة الإيجابية تجاه بعض الوظائف قد تتغير عما قريب نتيجة تغير المزاج الشعبي، بالنظر إلى التحولات التقنية المهمة.

لقد أجرت منظمة “فاركي” الخيرية استطلاعا في 35 دولة، وسألت ألف مشارك من كل بلد حول الوظائف التي ينظر إليها بإعجاب كبير.

وكشفت النتيجة أن الطبيب يأتي في المرتبة الأولى متبوعا بالمحامي في المركز الثاني، أما المهندس فحل ثالثا بينما تبوّأ مدير المدرسة المرتبة الرابعة. وفي غضون ذلك، نال ضابط الشرطة المرتبة الخامسة، ويليه الممرض في المرتبة السادسة، والمحاسب في المرتبة السابعة.

أبطال مهمشون

كثيرون يعملون من أجل لقمة عيشهم وعيش عائلاتهم، ولا يمكن الاستغناء عنهم من أجل تأمين الغذاء، والاتصالات، والتنقل
كثيرون يعملون من أجل لقمة عيشهم وعيش عائلاتهم، ولا يمكن الاستغناء عنهم من أجل تأمين الغذاء، والاتصالات، والتنقل

وعلى غرار الجنود والممرضين والأطباء هناك كثيرون يعملون من أجل لقمة عيشهم وعيش عائلاتهم، أو بدافع الواجب… هم الذين يؤمنون استمرارية العالم.

بائعو المواد الغذائية، عمال النظافة أو خدمات التوصيل، لطالما شعروا بأنهم مهمشون، غير مرئيين، لكنهم اليوم أساسيون. لعلهم لا يحصلون على التصفيق والتكريم، لكن اختلفت النظرة إليهم.  واليوم، يتوقف الناس أكثر ليتحدثوا معهم، وبعضهم يكتب كلمة “شكرا” على أوعية النفايات أو على باب متجر للمواد الغذائية.

إنهم بالتأكيد يشكلون “خط الدفاع الثاني” في الحرب على وباء كوفيد – 19، لا يمكن الاستغناء عنهم من أجل تأمين الغذاء، والاتصالات، والتنقل، وعمليات التنظيف والتعقيم، ومعظم الوقت من دون حماية أخرى غير الكمامة والسائل المطهر.

كثيرون منهم لا خيار آخر لهم غير العمل كي يؤمنوا لقمة عيشهم، في وقت حولت إجراءات العزل والإغلاق والحجر في العالم الملايين إلى العاطلين عن العمل وزادت من الفروقات الاجتماعية.

يقول العامل في توصيل الخضار على دراجته النارية، المصري كريم خلف الله (21 عاما) “إنها الطريقة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة”.

بعضهم يذهب إلى عمله وقد تملكه الخوف. ويقول عامل نظافة  إنه يواصل جمع النفايات، لأنه كما يقول “لدي ضمير مهني ويجب أن أكسب اجري”. وفي الوقت نفسه يعبر عن غضبه قائلا “إنها مهنة تعرض صاحبها لأخطار، ولا أحد يقدّره”.

ويقول السوري أنس (29 عاما)، إنه، يشعر، عندما يوصل المشتريات للزبائن في بلدة حالات شمال بيروت، بأنه “يعمل مثل الأطباء على جبهة” محاربة الفايروس.

نظرة دونية

في بعض بلدان الخليج العربي الغنية مثلا، يعد توطين الوظائف وتنمية المنشآت الصغيرة واحدا من أهم المشكلات، وتتمثل أسبابها في عادات ت احتقار المهن والحرف التي تعد قاعدة أساسية للصناعة والمقاولات.

 واشتدت موجة الاحتقار لتعمّ في المجتمع بكل أطيافه، وأصبح همّ الأسرة الأساسي هو تعليم أبنائها الجامعي مهما كان التخصص وقدرته على التوظيف، المهم هو البُعد عن الحرف والحرفيين، ونستثني طبعا الفرد الحاصل على شهادة جامعية كالمحاماة والمحاسبة والهندسة.

وتنظر سوسيولوجيا المهن إلى هذه الحرف باعتبارها غير متجانسة ليس من حيث ما تتطلب من إعداد معرفي وتكوين مهارات تتراكم تاريخيا، ولكن من حيث قيمتها الاجتماعية والاقتصادية بالإضافة إلى المكانة الاجتماعية لمن يمتهنها.

ومن الناحية التاريخية اختلفت نظرة السكان إلى المهن والمشتغلين بها، من عصر إلى آخر، وأحيانا من حقبة إلى أخرى، وما يترتب عن ذلك من امتيازات، بل قد تكون النظرة سلبية تماما لأصحاب الحرف والمهن، فمنذ حقب ماضية كان المجتمع البدوي العربي كما يقول عالم الاجتماع علي الوردي يحتقر المهن كل الاحتقار، فهم يحتقرون الحائك والحداد والصانع والصيقل والدباغ والحلاق.

النظرة الإيجابية لبعض الوظائف قد تتغير عما قريب نتيجة تغير المزاج الشعبي، بالنظر إلى التحولات المهمة

وينقل الوردي عن حافظ وهبه، مستشار الملك عبدالعزيز آل سعود فيقول “إن البدو إذا أرادوا تحقير إنسان وسبه بكلمة تكون مجمع السباب قالوا له يا ابن الصانع”.

وبغض النظر عن هذه النظرة إلى المهنة أو الحرفة التي عرفتها بعض المناطق، يجدر التسجيل بأنها تتميز بتجسيدها لجملة من الأبعاد والخصائص الإنسانية المجتمعية، التي ساعدت على تطور الإنسان والمجتمع اقتصاديا وفنيا وثقافيا، وهي تسهم أيضا في تحسين تحكم الإنسان وتسخيره لمحيطه الاجتماعي والطبيعي بما ييسر له سبل العيش.

والمهنة، وفق تعريف علماء الاجتماع، نشاط يرتبط بسوق العمل، ويشبع حاجات الفرد الأساسية، وهي تحدد الوضع الاجتماعي للفرد في المجتمع، وبناء على ذلك فالمهنة هي التي تقرر درجات الاحترام والتقدير والنفوذ الذي يحصل عليها أصحابها، بعض المهن تمنح من يزاولها شيئا من القوة والنفوذ، مما يعني ربط المهنة بالقوة الاجتماعية، وأحيانا بالطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الأفراد وقد أصبح النفوذ الاجتماعي يتحدد في المجتمع المعاصر بطبيعة المهنة والأعمال التي يزاولها، وقد يؤثر ذلك على اتجاهات الناس نحو مهن معينة، ويؤثر ذلك أيضا على اختيارات الأولياء ورغبات الطلاب؛ فيلاحظ أن هناك ميلا شديدا في المجتمع الخليجي إلى تفضيل العمل الحكومي، تحديدا في الإدارة، وذلك لما له من مكانة مميزة ونفوذ؛ فالحاجات الأساسية المادية مشبعة نسبيا، وبالتالي تبقى الحاجة فقط إلى النفوذ والسلطة لاستكمال توفر الثروة والسلطة.

وللمهنة أهمية سوسيولوجية أيضا كما يبين علماء الاجتماع مثل أنتوني غيدنز الذي كشف عند تناوله مسألة الطبقة والتراتب الاجتماعي عن أهميتها في تبوّء الفرد مكانة اجتماعية، وتحديده لوضعيته ضمن التدرج الاجتماعي. وكما أوضح ماكس فيبر، إن الذين “يشتغلون في المناصب الإدارية أو المهنية يحققون على سبيل المثال كسبا أكثر من العمال المهنيين”.

وتعتبر المهنة حسب غيدنز “واحدة من مؤشرات الطبقة الاجتماعية”.

تجاوز ثقافة العيب

Thumbnail

وتمكن عدد من الشبان والشابات من تجاوز ثقافة “العيب” في العمل بمهن كانت “محتقرة”. ففي السعودية مثلا اجتذبت وظائف قطاع المطاعم والمقاهي، عددا كبيرا من السعوديين (شبانا وفتيات)، خلال الفترة الحالية، في لافتة تشير إلى تغير المفاهيم الاجتماعية، والتخلص من النظرة الدونية لمثل هذه الوظائف.

ويعاني قطاع الأعمال مشكلة كبرى في السعودية الغنية بالنفط؛ هي وجود وظائف، ولكن لا يقبلها الشباب السعودي؛ بسبب تدني الرواتب، أو نظرته المتدنية إلى هذه المهن.

قال سيمون فريكر، المدير العام لفندق نوبو في الرياض “الأمر صعب للغاية؛ فالعقلية هنا هي: إنّني أفْضَل بكثير من شغل هذه الوظائف”.

وعلى مدى عقودٍ من الزمن، ساعد العمال المغتربون القادمون من بلدان مثل الهند والفلبين على استمرار مستوى المعيشة المرتفع في السعودية، عن طريق أداء الوظائف التي لا يقوم بها السعوديون. ومنحت المملكة مواطنيها الوظائف الضرورية للحياة في القطاع العام، مما يعني أنَّ العمالة لا تمتلك دائما المهارات اللازمة لشغل وظائف القطاع الخاص؛ بل وأحيانا تفتقد الحافز لذلك، بحسب صحسيفة وول ستريت جورنال الأميركية.

وبحسب خبراء، توجد مؤشرات على أنَّ السلوكيات تجاه العمل بدأت في التغير بين السعوديين الذين يواجهون تكاليف معيشية مرتفعة؛ إذ خفضت الحكومة مؤخرا الدعم على المياه والوقود والكهرباء، وأدخلت ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5 في المئة.

ويقود سعوديون الآن لصالح شركات خدمات سيارات الأجرة مثل “أوبر” و”كريم”، وهو مشهد كان نادرا منذ أعوام قليلة. فضلا عن أنَّ شباب السعوديين، الذين درس عددٌ كبير منهم في الغرب عبر منح دراسية، يبدون متقبلين للعمل بدوامٍ جزئي في المقاهي الكبرى.

وفي مقهى ومحمصة “مَدّ” القريبين من ساحل البحر في جدة، يقدم النُدل، وأغلبهم من السعوديين، القهوة الباردة والكابتشينو بحليب الكينوا إلى زبائنهم الصغار.  وقال يوسف تركي، وهو طالب هندسة بَحَرية يعمل في “مَدّ”، “إنَّني أواجه نوعين مختلفين من الناس: هؤلاء الذين يحترمونني وهؤلاء الذين لا يحترمونني. أمي تدعمني دائما، وأبي ليس كذلك. إنَّه يقول: كيف يعمل ابني نادلا في مقهى، في الوقت الذي أمنحه فيه مستوى معيشيا مرتفعا؟!”.

وأضاف “يصعب التعامل مع الأمر. لكنَّ الأزمنة تتغير، وعلينا التكيف معها”.

20