الوعد القطري والثقة الناقصة

السبت 2015/02/14

لم يعد في إمكان الدول الخليجية أن تخفي قلقها من أن تكون قطر غير جادة في الوفاء بوعدها الذي قطعته من أجل عودة العلاقات الخليجية إلى طبيعتها.

فما فعلته قطر في ذلك المجال لا يتعدى الكلام الحيي، في حين ظلت الأفعال التي أدت إلى وقوع القطيعة السابقة على حالها، وإن اتخذت طابعا أكثر سرية.

وما يعرفه الخليجيون، بعضهم عن البعض الآخر هو أكبر بكثير ممّا يعرفه العالم الخارجي عنهم، وهم الذين يميلون إلى التروي والصبر والبطء في إصدار الأحكام القاطعة والكرم في توفير الفرص التي تؤدي إلى الإصلاح.

لذلك فإن الغضـبة السعـودية، والإماراتية، والبحرينية، التي أعقبهـا سحب السفراء من الدوحة لم تقع إلا بعـد زمن طويل كان مكتظا بمحاولات استيعاب واحتـواء المـوقف القطري، ومن ثم حث قطر على التراجع عن الدور الضار الذي كانت تلعبه مـن خلال دعمها لجماعة الإخوان المسلمين، وهي الجماعة التي ثبت تورطها في السعي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة. وهو ما حاولت قطر الالتفاف عليه من غير جدوى.

كانت الفضيحة مدوّية، في ظل صمت قطري مريب، تبعه نفي بدا إنشائيا، ولا يرقى إلى مستوى حقائق الإثبات الدامغة. وهو ما كان على القطريين أن يتفادوا الوقوع في حبائله، تعبيرا عن حقيقة معرفتهم بنوايا أشقائهم الصادقة والحريصة على وحدة البيت الخليجي.

أما حين ظهر لهم أن الأشقاء كانوا جادين في إجراءات القطيعة، فإنهم سعوا إلى استرضائهم عن طريق وعود، كان من شأن الوفاء بها أن يزيح أسباب القطيعة وينقي العلاقات التي أفسدها تمادي قطر في سلوكها الخارج حتى على الأعراف الدبلوماسية التي تحكم علاقات الدول، بعضها بالبعض الآخر، فكيف به وقد وقع بين دول هي أقرب إلى وحدة المصير منها إلى اختلاف المصالح.

وكما يبدو من الهواجس الخليجية التي هي ليست مجرد تكهنات، فإن القطريين لم يتعاملوا بالحد الأدنى من الحرص على أن يطووا صفحة الماضي ويغيّروا من نهجهم الضار الذي سبق أن دفع بأشقائهم إلى الاستياء والغضب.

ألا تملك قطر القدرة على تغيير نهجها لأسباب تقع خارج إرادتها؟

هل هي مجبرة على لعب ذلك الدور الذي لا يتناسب، أولا، مع حجمها الجغرافي الصغير، وثانيا مع مستوى تأثيرها المتواضع في القرار السياسي لدول مجلس التعاون الخليجي؟

يمكنني القول هنا إن قطر، حتى وإن كانت مجبرة، وهو أمر افتراضي بحت، هي مسؤولة عن الموقع التي انتهت إليه من جهة قبولها بالدخول في متاهة دعم وإيواء وتمويل جماعة إرهابية، والترويج إعلاميا لها.

كان الحفاظ على أمن مصر واستقرارها حاضرا في الأجندة الخليجية التي قدمت، بشكل واضح، إلى قطر، تأكيدا لمبدأي المكاشفة والشفافية. وهو ما يعني أن الموضوع يتخطى الأمن الخليجي إلى الأمن القومي العربي.

فمصر التي اقتلعت جرثومة الجماعة الظلامية تستحق من وجهة نظر خليجية أن يُحمى ظهرها من التآمر الإخواني.

لذلك كـان الاتفاق الخليجي الذي أبرم مع قطر، والـذي رعته المملكـة العربية السعـودية في شخص ملكها الراحل عبدالله بـن عبـدالعزيز، ينص، في إحـدى فقـراته، على ضرورة تجنيب مصر خطر ذلك التآمر الذي بدا واضحا أن جماعة الإخوان المسلمين تخطط من خـلاله إلى إشاعة الرعب في قلوب المصريين الذين جرّعوهم سمّ هزيمة تاريخية، لن يكون لهم بعدها وجود.

كل هذا كـان واضحا في العرض الخليجي الكريم الذي قُدم إلى قطر، مقابل أن تستعيد مكانها الطبيعي بين شقيقاتها. وهو عرض لم يكن تعجيزيا. ومع ذلك فإن قطر بـدت عاجـزة عن تنفيذ بنود ذلك العرض.

فهل كان ذلك العجز مطلوبا لذاته من أجل تمرير الوقت اختبارا لقوة الإرادة الخليجية، وتمييعا لقرار اتخذه الخليجيون، تم بموجبه نبذ جماعة الإخوان المسلمين، واعتبارها جماعة إرهابية؟


كاتب عراقي

8