الوعيد والطمأنة حدّان لرسالة واحدة

الأربعاء 2015/03/11

لم يمض أسبوع على ما تداولته وسائل الإعلام المختلفة من قوائم بأسماء شخصيات لبنانية على لائحة التصفية من قبل إرهابيين على علاقة بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، حتى بدأ الحديث عن الاغتيالات السياسية يأخذ منحى مختلفا يُذكّر بمسلسلات الاغتيالات التي ضربت لبنان في السنوات الماضية، وأن جهات أمنية خارجية قد تقف خلفها، كل ذلك بحسب مصادر أمنية لا تفصح عن نفسها تستنطقها جريدة لبنانية مقربة من حزب الله. وصودف أن تلا ذلك مباشرة وعلى صفحات نفس الجريدة، نشرُ مقال صحفي يتضمن تهديدا مباشرا وبالاسم للنائب وليد جنبلاط.

ليس غريبا على المافيات أن تتصارع وأن يتخذ صراعها منحى دمويا يتخذ شكل التصفيات الجسدية التي تصيب الحلقات الأضعف، ولكن تلك التي يُعتقد أنها تعيق مدّ النفوذ أو تُنازع فيه وفي المغانم المترتبة عليه. فكيف هو شأن المافيات المؤتلفة في السلطة والمحكومة بتبعياتها التي تفرض عليها تهدئة هشة بانتظار تقطيع مرحلة أو تبيان آفاقها؟

هذا هو شأن ائتلاف مافيات السلطة في لبنان، حيث لا يتحرك ساكن إلا على إيقاع التطورات الإقليمية وما تمليه مصالح مراكز الهيمنة وتنازعها وتوافقاتها.

وإذا راجعنا مسلسلات الاغتيالات التي حفل بها تاريخ لبنان منذ دخول قوات النظام السوري وأجهزته الاستخبارية إليه خريف سنة 1976، والتي استُهل أولُها باغتيال زعيم الحركة الوطنية اللبنانية، آنذاك، وقائد ومؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي، الراحل كمال جنبلاط ربيع 1977، نلمس دور القوى الإقليمية ومراكز التبعية في كل مسلسلات الاغتيال التي ضربت شخصيات وقادة سياسيين ونوابا ووزراء ومفكرين ورؤساء جمهوريات وحكومات، وصولا إلى التهديد المبطن مؤخرا، لوليد جنبلاط، ابن كمال جنبلاط، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي اليوم.

مخطئ من يعتبر أن تصريح وليد جنبلاط العاجل الخميس الماضي كان ردا على مقالة صحفية، بصرف النظر عما قد يمثله، من الناحية الثقافية أو الموقع أو التبعية السياسية، أيُّ كاتب صحفي صاغها. فوليد جنبلاط له من طول النّفس وهدوء الأعصاب ما جعله يتناسى لعقدين من الزمن قتلة والده الذين يعرفهم، وربما بالاسم، عدا عن معرفته الأكيدة بالجهة التي دفعت إلى اغتياله وأسبابها، هذه الأسباب التي لا زالت حاضرة والتي تتهدد، لا حياة وليد جنبلاط فحسب، بل كل من تعتبره تلك الجهة “الحلقة الأضعف، ولكن الرئيسية”، بين القوى التي تعيق أو تشوش على مشروعها السلطوي والدموي.

كان رد وليد جنبلاط العاجل دليلا على استشعاره خطرا داهما. لم تكن مجرد مقالة صحفية، ولا رأيا سياسيا قيل “بهدوء”، ولا حتى رسالة عادية نقلتها صحيفة لحساب أجهزة أمنية تابعة لنظام متهالك، ولكنها، بالنسبة لجنبلاط، إشعار بالخطر الداهم يحمل بصمات قاسم سليماني ومذيّل بتوقيع النظام الأسدي.

وبالمناسبة، فإن شبان مدينة السويداء في سوريا لم يمتنعوا عن تأدية الخدمة الإلزامية في جيش النظام الأسدي بناء على طلب وليد جنبلاط، ولو أن لوليد جنبلاط هذا الرأي أيضا.

أما الزيارة العاجلة التي قام بها وفيق صفا، المسؤول الأمني لدى حزب الله، لمنزل وليد جنبلاط بعد ساعات قليلة على بيان الأخير الذي رد فيه على ما تضمنه المقال الصحفي من رسائل، وأكد فيه انحيازه إلى ثورة الشعب السوري دون مواربة، ورفضه لأي تدخل خارجي مهما كان، في مسار الصراع في سوريا، ومن أية جهة أتى، فيمكن أن تحمل للطمأنة معنيين اثنين معا؛ التأكيد على فحوى الرسالة التي تضمنها المقال الصحفي، وإفهام جنبلاط أنه محاط بأيد “أمينة”، في ظل ما يشاع عن مسلسل اغتيالات جديد.

فما الذي ينتظر لبنان من تطورات في ظل النووي الإيراني الذي يظهر أن الهدف الحقيقي منه لم يكن سوى ما يجري من توسيع نفوذ وهيمنة، بل وسيطرة للنظام الإيراني في المنطقة، في ظل الفتوحات التي يقودها قاسم سليماني، سواء تم التوصل إلى اتفاق نووي مع الغرب أم لا؟ وهل ترى طهران أنه حان الوقت لكي تشهد الساحة اللبنانية تغيرات دراماتيكية معينة؟


كاتب لبناني

8