الوعي السياسي المصري أمام اختبار انتخابات البرلمان

الأحد 2014/12/28
المواطن المصري يهزم الخوف من الصندوق الانتخابي وتوقعات بأن يكون أكثر قدرة على الاختيار والحسم في الانتخابات البرلمانية القادمة

القاهرة – تضع الانتخابات البرلمانية التي ستشهدها مصر في مارس المقبل الأحزاب السياسية في اختبار حقيقي لقياس حقيقة تواجدها، كما تضع الناخب في اختبار لمدى وعيه ودوره في الاستحقاق الأخير لخارطة الطريق التي وضعها الجيش بعد عزل نظام الإخوان.

الأوضاع السياسية التي مرت بها مصر منذ ثورة 25 يناير 2011، وحتى الآن، زادت من الوعي السياسي لدى قطاع كبير من المواطنين، وجعلته أكثر قدرة على الفرز والاحتكاك والالتحام بالواقع العام وتعقيداته، بعد فترة طويلة من العزوف، قسرا أو إحباطا، الأمر الذي يمكن أن ينعكس على اختيار ممثلي الشعب في البرلمان المقبل.

الوعي الانتخابي، الذي تشكل لدى المصريين، سوف تظهر تجلياته في الاستحقاق الثالث والأخير من خطة خارطة الطريق، والتي على أساسها جرت تعديلات الدستور والاستفتاء عليه، ثم انتخابات رئيس الجمهورية، وأخيرا مجلس النواب في مارس المقبل، وفي الجولتين السابقتين (الدستور وانتخاب الرئيس) كان الوعي السياسي لدى المصريين حاضرا، سواء بالمشاركة، أو العزوف عنها، فقد عبّرت الحالتان عن درجة من الوعي لم تخطئها عين المتابع.

بعض المراقبين رأوا أن قطاعا كبيرا من المصريين استوعب الدرس، حيث لم تكن مشاركته واسعة في انتخابات البرلمان السابق (نوفمبر- ديسمبر 2011)، وكذلك في انتخابات رئيس الجمهورية، بعد حوالي ستة أشهر، والمشاركة الفاعلة كانت للقطاع الإسلامي والمتعاطفين معه، لذلك من المرجّح أن تشهد انتخابات مجلس النواب إقبالا كبيرا، ليس لقطع الطريق على المرشحين الإسلاميين، المعلنين والملتحفين بأردية مدنية فقط، لكن لأن المعركة محتدمة، وتتطلب مشاركة لا تهاون فيها، كما أن معظم الأحزاب وأصحاب المالي السياسي بدأوا استعدادات مبكرة لتجييش الناخبين، لضمان حصد أكبر عدد من المقاعد، لكن ستظل مسألة الوعي الانتخابي واحدة من المحددات الرئيسية، لشكل الخريطة السياسية داخل مجلس النواب المقبل، لأنها أحيانا تؤدي إلى المقاطعة، ما لم تكن العملية السياسية مقنعة.


إنذار وتحذير


لم تشكّ فريدة النقاش، الكاتبة السياسية اليسارية المعروفة، لحظة في وعي الجماهير المصرية وإدراكها وقدرتها الفائقة على الفرز، لكنها أنذرت في تصريحات خاصة لـ”العرب”، النخبة السياسية، من فلول الحزب الوطني، الذي لعب دورا كبيرا في تكريس الفقر السياسي لدى المواطنين، وتسبب في كثير من الأزمات التي تعاني منها البلاد، وحذّرت جماعات المتاجرين بالدين، ومحاولات الالتفاف من أجل استغلال الشعب المصري، خلال الانتخابات البرلمانية المقبلة، فمع أن هناك شريحة واسعة ناضجة سياسيا يمكن الثقة في اختياراتها، لكن لا تزال هناك شريحة وسط النخبة تعمل في خدمة رجال الحزب الوطني، وتمهّد الطريق لرجالاته للجلوس تحت قبة البرلمان، وهؤلاء تصعب الثقة في نواياهم.

مستوى الثقافة السياسية زاد لدى قطاع كبير من المصريين والوعي السياسي يتوقف على الوسيلة التي يتلقى بها المواطن التثقيف

ورغم أن فريدة النقاش تتوقع أن يكون لرأس المال السياسي دور مهم في الانتخابات، إلا أنها على ثقة أن المصريين لو أتيحت لهم الفرصة للتعبير عن رأيهم بحرية ودون محاولات مستميتة للتأثير عليهم، سواء بالرشاوى أو استغلال عاطفتهم الدينية، سوف يقدمون للعالم درسا جديدا، وأنهم شعب قادر على إبهار العالم، في ثوراته وانتخاباته.

نسبة الإقبال الجيدة (38.6 بالمئة) التي ظهرت في الاستفتاء على الدستور في يناير 2014، كانت بمثابة دليل على ارتفاع وعي المصريين ومقاطعة العزوف الذي كان سمة أساسية إبّان عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، في هذه الحالة من الاستفتاءات، وكشفت المشاركة عن حجم الانفصام بين الجماهير والنخبة السياسية، التي نادى بعضها بالمقاطعة، وتعززت المشاركة في انتخابات رئيس الجمهورية.

في هذا الإطار، حرصت “العرب” على استطلاع رأي عينة من المواطنين، تمثل شرائح مختلفة، وأكد غالبية المستطلعة آراؤهم عدم التفريط في أصواتهم، وأبدوا حرصا ملحوظا على المشاركة في الانتخابات المقبلة، لأنهم أصبحوا على قناعة تامة أن السلبية لم يعد لها مكان بينهم، ودفعوا ثمنا باهظا لها، عندما أحجموا عن المشاركة في أوّل انتخابات بعد ثورة يناير، الأمر الذي منح التيار الإسلامي فرصة ذهبية للفوز بأعلى نسبة في البرلمان السابق.

المصريون عاشوا فترات سياسية صعبة، على مدار أكثر من نصف قرن، كانت أبرز نتائجها تنحيتهم عن المشاركة في تشكيل المشهد السياسي، لأن الطبقة الحاكمة، لها نخبتها التي حرصت على أن ترافقها، ويكون لها الحظ الأوفر في تمثيل المواطنين، بالتزوير تارة، وعن طريق التعيين تارة أخرى، ومن حاولوا مناطحة الصخور السياسية التي وقفت في منتصف الطريق، وحالت بينهم وتمثيل الناس تمثيلا حقيقيا، لم يكتب لهم غالبا النجاح، وإن كتب، كان لزوم الديكور السياسي، حتى حدث انفجار الجماهير في وجه النظام في 25 يناير.

وبدا نبيل عبدالفتاح، الخبير في الشؤون السياسية، غير متفائل بفكرة إقبال المصريين على الانتخابات المقبلة، وقال لـ”العرب” إن الحس السياسي لدى الشعب المصري شهد نقلة كبيرة عقب ثورة 25 يناير، لكن هذه النقلة لن تجعل نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع خلال الانتخابات البرلمانية المقبلة كبيرة وبصورة لافتة.

سألت “العرب” هالة مصطفى الباحثة في العلوم السياسية ورئيس تحرير مجلة الديمقراطية (سابقا)، هل الشعب المصري لم يكن مؤهلا فعلا للديمقراطية، أو بمعنى آخر لم يكن لديه الوعي السياسي الذي يؤهله لاختيار ممثليه بالانتخاب، فأجابت مصطفى، التي كانت عضو بالحزب الوطني المنحل، وانسحبت منه قبل ثورة يناير، اعتراضا على سياساته بأن الشعب المصري لو لم يكن مؤهلا للديمقراطية لما قام بثورة واثنتين، ورغم الصعوبات التي خلفتها تراكمات العقود السابقة، غير أن الشعب أصبح أكثر وعيا من ذي قبل، وبات يدرك أن المرحلة التي تمر بها مصر، مرحلة تقرير مصير، ومن حقه المشاركة في صناعة مستقبل بلاده دون إقصاء، ووعيه الجمعي ومخزونه السياسي سوف يساعدانه على حسن اختيار نوابه في البرلمان المقبل.

نسبة الاقبال في الاستفتاء على الدستور في يناير 2014 عكست وعي جميع شرائح المجتمع المصري


ضوابط قانونية أم سياسية


منظمات المجتمع المدني في مصر، كغيرها من البلدان العربية، أصبحت أكثر نشاطا خلال السنوات مع نسمات الحرية التي لاحت بعد الثورات، ومع أنها لا تزال تعاني من بعض القيود، تحت ذريعة الضوابط القانونية لعدم حدوث اختراقات خارجية، إلا أنها تحاول أن تمارس دورا في التوعية، عبر تدريب النشطاء وعقد دورات في أدبيات المشاركة السياسية.

خالد المرّة الأمين العام لحزب النور السلفي، قال لـ”العرب” إن الشعب المصري يملك مخزونا وفيرا من الوعي السياسي، قبل ثورة 25 يناير، بسبب تراكمات سنوات الظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، التي عاش في ظلها فترة طويلة، وأن الثورة كسرت حاجز الخوف بداخله وجعلته ينتفض على نظام مستبد.

يؤكد علماء السياسية، أن هناك فرقا بين الوعي السياسي والثقافة السياسية، وأن الأول تنتج عنه تصرفات ملموسة، والثانية في معظمها إلمام نظري قد يؤدي إلى ممارسات فعلية أو لا، لكن في النهاية وجودهما أو أحدهما بوفرة لدى شعب، يعني أنه على دراية بما يدور من حوله، بصرف النظر عن حجم المشاركة.

معصوم مرزوق، المتحدث الرسمي باسم حملة المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، أوضح لـ”العرب” أن مستوى الثقافة السياسية زاد لدى قطاع كبير من المصريين، موضحا أن تحول وسائل الإعلام الآن إلى وسيلة وحيدة لتعليم المواطن، تسبب في تزييف وعي قطاع كبير من الناس، لأنها تقوم بالترويج لأسلوب دعائي معين.

الباحث فايز أنور عبدالمطلب أكد في كتابه الذي يحمل عنوان “الوعي السياسي عند قدماء المصريين” أن المجتمع المصري القديم اعتاد على تربع الملك منفردا على قمة الهرم الاجتماعي، وكشف أن ارتباط الدين بالدولة على مدار التاريخ المصري القديم، أدى إلى وجود ارتباط فعلي بين السلطة للملك، وبعض المعبودات الرئيسية، بذلك أصبحت مكانة الملك مقدسة بترسيخ اعتقاد أن الملك امتداد للمعبود، ومن هنا استغل الملوك سلطانهم الديني والروحي أوسع استغلال لتنفيذ رغباتهم، تحت ستار أنهم الوحيدون القادرون على أن يرعوا مصالح الشعب، إلا أن المحن العسكرية التي مرت بها البلاد منذ احتلال الهكسوس، غيرت من الأوضاع الاجتماعية، وسحبت البساط من تحت أقدام الطبقة العليا، وهذا يدل على مدى وعي الشعب المصري القديم بدوره السياسي في عملية إدارة البلاد وإصلاحها.

4