الوعي القاصر وموضة الثقافة

الجمعة 2016/10/07

تبقى الثقافة أكثر الأفعال الإنسانية عمقا، تلك التي تتحدى سطوة الزمن، وتنحت الكيان البشري الواعي والنوعي في مختلف أبعاده. نقر هنا بأن الفعل الثقافي أيا كان شكله هو فعل عميق واع، لذا فكل منتج ثقافي هو بالضرورة ابن الوعي. والمنتج الثقافي هو ما يميز شعبا عن آخر، ومن هنا نفهم إصرار الأنظمة الاستبدادية على المسك بكل ما هو ثقافي وتصديره وجها وكيانا لها.

ساهم جو من الحرية كسبته البعض من الشعوب العربية، ومنها الشعب التونسي، بعد ثورات قيل فيها وعنها ما قيل، في فتح الأبواب أمام نشاط ثقافي حر، فظهرت العديد من الأنشطة الفنية والأفعال الثقافية من قبل الشباب خاصة، حيث انخرط عدد كبير من شرائح شبابية في الفعل الثقافي والفني كمحاولة لتقديم الجديد وتحطيم الأصنام الثقافية التي خلقتها سنين الاستبداد.

ومن الجيد أن يتجرأ الجميع على الكتابة والموسيقى والتشكيل والمسرح وغيرها من الأفعال الثقافية، لكن في حالة الشعوب الخارجة من كهف الاستبداد إلى ضوء الحرية أصبح الأمر عمى فوضويا. أصوات متشابهة، أجساد متشابهة، أنماط فنية متشابهة، كلام منسوخ من بعضه، تداخل وتصادم إلخ…

كنا لفتنا في بداية حديثنا إلى أن الفعل الثقافي هو فعل وعي عميق بالضرورة، ربما بتفاوت درجات الوعي بين فاعل ثقافي وآخر، بين منتج ثقافي وآخر، لكن الوعي شرط أساسي لكل ما هو ثقافي. الفاعلون الثقافيون الخارجون إلى الحرية كانت أفعالهم مجرد موضة “تقليعة” أو شيئا من هذا القبيل. فيكفي مثلا لتكون فنانا أن تتأبط قيثارة، تطيل لحيتك، ترتدي زيا فضفاضا دلالة على البساطة والبعض من الحلي وتردد ما سمعته سلفا من كلام وموسيقى، لكن وعيك بذاتك وبيئتك الذي هو فعل دائم تشحذه القراءة ومتابعة الفنون والقضايا والأدب والسعي وراء المعرفة، كل هذا الذي من المفروض أن يتوفر في من يقترح أن يكون طليعيا ثقافيا مجددا لا تعيره أهمية، لذا يبقى المنتج الذي يقدمه هؤلاء مجرد تكرار لا عمق له لذا ينتهي إلى الفوضى.

الشيء نفسه انسحب على بقية الأفعال الثقافية كالشعر مثلا، حيث امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بالمئات بل بالآلاف من الشعراء والكتاب على اختلاف إنتاجاتهم، ودائما نظل نؤكد أن هذا ظاهرة صحية، لكن ما خلفته من فوضى جعل منها أمرا سلبيا، إذ حاول هؤلاء بغير وعي لا لغوي ولا فكري تقديم الجديد المختلف، وهذا أمر جيد، تحطيم كل الأصنام الثقافية كما ذكرنا، لكن ذلك شرطه وعي عميق، لذا نجد أن هؤلاء انخرطوا في مسار تدميري حتى لذواتهم، تشابهوا في كل شيء، حتى تنافروا في كل شيء.

هنا نتساءل عن الوعي الذي ربطناه بالفعل الثقافي، ألهذه الدرجة لا يمكن خلقه؟

يشترط بناء وعي متوازن العديد من المسائل، بداية بالحواس الجسدية، بكل ما تمثله، كما يشترط ملكة التفكير واللغة التي تشحن من خلال القراءة والتجربة الذاتية، ومن خلال الاطلاع على الفنون والفكر والعلوم وغيرها من الإنتاجات البشرية، كما يشترط بيئة اجتماعية متوازنة إلى حد ما.

بالنسبة إلى الشعوب العربية نحن نعلم “عقدة الجسد القديمة” المنتشرة في طيات مجتمعاتها، كما نعلم العزوف عن القراءة المسيطر على مختلف شرائحها، وحتى الفنون فتحضرها الغالبية من باب الترف أو المتعة أو الموضة، ونعلم أيضا انغلاق الفاعلين الثقافيين على أنفسهم: لا يسمع مفكر محاضرة مفكر آخر، لا يشاهد الشاعر فيلما، لا يقرأ السينمائي قصيدة، لا يزور المسرحي معرضا تشكيليا، لا يطالع الموسيقي كتابا فكريا، إلخ … كل هذا خلق الوعي الناقص الذي شاب كل زوايا المشهد الثقافي، أضف إلى ذلك أن الغضب والعنف اللذين سيطرا على الشعوب المكبوتة والطامحة إلى الحرية بعد سنوات القمع أعميا البصائر ومازالا سببا للفوضى، وخلقا وعيا فوضويا خائفا ومرتبكا. لذا يبقى الحل في ثقافة واعية للخروج من كابوس الوعي الناقص والوجود العربي الناقص.

شاعر من تونس

14