الوعي المتكيف والوعي المتعدي

الثلاثاء 2013/11/12

من التجارب الفكرية التربوية التي تفاعلت ولا أزال أتفاعل معها تجربة المفكر والمربي البرازيلي المعروف باولو فريري وذلك من خلال الاطلاع على تجاربه الغنية والطليعية التي تتضمنها كتبه الكثيرة منها "بيداغوجيا الحرية" و بيداغوجيا القلب" و"بيداغوجيا الأمل" و"بيداغوجيا السخط من أجل الكرامة" و"التعليم من أجل الوعي الناقد". يرى باولو فريري أن التحرير ينبغي أن يشمل محو كل أنماط ومظاهر الأمية في المجتمع البرازيلي بما في ذلك الأمية السياسية والجمالية والقانونية.

تتأسس تجربة باولو فريري على عنصرين أساسيين وهما فهم إستراتيجية محو الأمية فهما جديدا، وبعيدا عن الممارسات التقليدية التي تتلخص في تعليم الأميين القراءة والكتابة والذي ليس إلا جزءا بسيطا من إستراتيجية قهر الجهل. بالنسبة إلى باولو فريري فإن محو الأمية ينبغي أن يبدأ وبقوة في محو طبقات الوعي الذي يتكيّف مع القيم الرجعية والمتخلفة ويعيد إنتاجها في الحياة اليومية.

لقد اكتشف فريري على ضوء التجارب التي قام بها في وطنه البرازيل وبمساعدة منظمة اليونسكو أن هذا الوعي الزائف بالواقع منتشر في المناطق الريفية، والفلاحية، والعمالية التقليدية والمهمشة في المجتمع البرازيلي، ولكي يتمكن من قلعه من جذوره قام بإعداد وتوظيف إستراتيجيات تعليمية مؤسسة على النظرية التربوية والتعليمية الكفيلة بقلع جذور الذهنية المتخلفة واستبدالها بذهنية متحررة ونقدية.

وبناء على ذلك فإنه قام بإعداد النصوص ذات المضامين التقدمية التي تنهض على خيارات الحرية والديمقراطية، وعلى التوجيهات النقدية لكل ما يحشر الأميين والأميات في أقفاص الشعوذة، والاغتراب الفردي والجماعي، ويحولهم إلى كائنات تابعة تبعية عمياء للإيديولوجيا السلطوية المتسلطة.

بعد مرحلة إعداد النصوص قام بتكوين أفواج الأميين ومن ثمّ شرع في تدريس تلك النصوص وفتح المناقشات حولها معهم الأمر الذي أدّى بهم إلى مقارنة مضامين تلك النصوص بالعناصر الثقافية الرجعية المتحكمة في الواقع وفي ذهنيات وسلوك المواطنين. في غمرة إجراء هذه التجربة التربوية والتعليمية الطليعية تمكن باولو فريري وأفواج طلبته من اكتشاف نوعين من الوعي وهما "الوعي الساذج" الذي يتكيّف مع الأمر الواقع ومع ثقافة وقيم السلطة والتقاليد المتخلفة، و"الوعي المتعدّي" أي النقدي الذي يعدّ من سمات الشخصية القاعدية المستقلة والحرة.

بناء على هذا الاستنتاج المهمّ تمكن باولو فريري من بناء نظرية تربوية وتعليمية قابلة للتطبيق في مجال محو الأمية تنطلق من التركيز على تربية "الوعي المتعدّي" الذي يقوي روح "مواجهة إشكاليات الواقع في عالم الطبيعة والتاريخ والثقافة" ويتجاوز عادات الفكر التبسيطي الذي ينمط أصحابه ويفرض عليه الانغراس في الماضي وتقديسه، والاستسلام للانفعال، والانغلاق، والميل إلى التجمهر الفولكلوري بصورة غير واعية في أغلب الأحيان. وبالفعل فقد أثمرت تجربة باولو فريري وأصبحت من التجارب الرائدة في العالم في تعليم الأميين وتلقيحهم بالفكر النقدي الذي هو العامل الجوهري في إنجاز التغيير في الثقافة والتصورات والسلوك الاجتماعي والسياسي معا.

14