الوعي.. المنتظر

إذا كنا نعتمد على "الرصاصة" لمواجهة العنف والإرهاب، فإننا بالتوازي بحاجة لـ"فكرة" تحصّن الشعوب ضد اختراق عقولها وتحويل مسار أدمغة شبابها في غيبة من الجميع.
الأربعاء 2018/02/28
أهمية استغلال قصور الثقافة المهجورة

في حفل تدشين منصة “دبي اليوم” الإخبارية بالقاهرة الأحد الماضي، التي يرأس إدارتها الزميل والصديق رمزي سليم، بحضور قامات سياسية ودبلوماسية وفنية وإعلامية، جمعني لقاء مع اثنين من الفنانين الكبار المطرب أحمد الحجار والممثل القدير طارق دسوقي، وكان الحديث عن هموم الحركة الفنية كواحدة من القوى الناعمة وكيفية استعادتها بعد عقود من التراجع والاختطاف.. وهو ما أسهم في تزييف خطاب الوعي العام والتمهيد لنشر الأفكار المتطرفة وتغلغل الجماعات الإسلاموية بالشكل الذي أنتج لنا في النهاية هذه المأساة.

وإذا كان الكاتب الراحل توفيق الحكيم، قد تحدث يوما عن “عودة الوعي”، كذا جاء الإجماع بضرورة البحث عن إرادة “سياسية” تعي أهمية الفنون عموما كأداة لاستعادة هذا الوعي الذي راح ضحيّة الإهمال شبه المتعمّد، ونشوء ثقافة “المقاولات” والتسطيح على أيدي مجموعة من المنتجين تسللوا لتخريب العقول ونشر القيم الفاسدة، باسم الربح و”الشباك” وتحقيق أعلى الإيرادات.. وكان أخطرها ـ في رأيي ـ تحويل المجرم إلى بطل وربما إلى أسطورة في ذهنية المشاهدين، وهو ما دفعنا ثمنه لاحقا لدى كثيرين رأوا في بؤرة تمرد إرهابية مثل “رابعة” قلعة صمود وبطولة وقاعدة شهادة مزيّفة. وسبقها أيضا ما حدث في فوضى 25 يناير من اعتبار بلطجية وخارجين على القانون شهداء باسم “الثورة” المجني عليها.

ولعل محاولة استعادة الوعي الفني والثقافي تلك، هي الأصعب حاليا، ولا تقل خطورة وأهمية عن حملة استعادة الأمن ومواجهة الإرهاب الراهنة في مصر، وهنا تكون مبادرة المخرج السينمائي الصديق عادل عوض (نجل الفنان الكوميدي الراحل محمد عوض) بالدعوة إلى إنشاء 1000 دار عرض سينمائي ـ بشكل اقتصادي يمكن أن يدر 12 مليار جنيه سنويا ـ تحت رعاية الدولة مباشرة، خطوة أولية تنتظر التشجيع والتبني عبر استغلال قصور الثقافة “المهجورة” في المدن والمحافظات، وفتحها أمام الجماهير، في محاولة لبناء طوق نجاة ينتشل الفكر العام ويتبنى المواهب، ويرسخ ثقافة الدولة والمجتمع بدلا من ترسيخ ثقافة المقاولات إياها.

عادل عوض، الذي يقوم بجهده الفردي، يجوب المحافظات لنشر فكرته الرائعة، وأعتقد أن هذا هو توقيتها ـ ولو كان متأخرا للغاية ـ لأننا إذا كنا نعتمد على “الرصاصة” لمواجهة العنف والإرهاب، فإننا بالتوازي بحاجة لـ”فكرة” تحصّن الشعوب ضد اختراق عقولها وتحويل مسار أدمغة شبابها في غيبة من الجميع.

إذا كان من المستحيل تكرار “أم كلثوم” كقمة غنائية، إلا أنه ليس من الصعب استنساخ “إسماعيل يس” وأفلامه وحدها كنموذج نتعلم منه.

24