الوعي النقدي

الخميس 2017/09/28

من السهل أن نحبر المقالات ونؤلف الكتب حول غياب الوعي النقدي لدى العرب، ولكن هل فكرنا في سبل تأسيس هذا الوعي، منذ مراحل التعليم الأولى، حتى نضمن مواطنا يُعمل عقله في كل ما يُعرَض عليه، ويفكك كل خطاب ليعرف أبعاده ومراميه قبل اتخاذ قراره، فلا ينساق وراء الفكر الظلامي، ولا يؤمن بالخرافات، ولا يتحيّف على من خالفه الرأي؟

لقد حرصت الأنظمة التربوية في بلاد الغرب على تكوين شخصية المتعلم من خلال تنظيم أنساق فكره، وتطوير قدراته الذهنية، وتدريبه على حسن قيادِ عقله، وتأهيله للحفاظ على فكره النقدي يقظا على الدوام، حتى إذا اشتد عوده صار قادرا على فرز الصواب من الخطأ، فيشك شكّا ديكارتيا دون خلفيات، ويلاحظ ويقارن ويوازن، ويفهم بقدر ما يتعلم، لكي تتدعّم شخصيته وتنمو بحرية. فالغاية هي الحث على الاستقلالية الفكرية لكل فرد وحرية التقدير لدى كل شخص.

ففي فرنسا مثلا، تتمحور البرامج حول أبعاد أربعة للثقافة الأخلاقية والمدنية هي الحساسية، وثقافة القواعد والقانون، والالتزام، والحكم، بالمعنى الفلسفي الذي لا يتضمن الحكم الأخلاقي وحده، بل يتعداه إلى القدرة على استعمال المتعلم عقله بتبصر. ويتحدد الفكر النقدي، الذي يندرج ضمن رؤية شاملة للمواطنة، بجملة من المواقف تنعكس بدورها في شكل ممارسات.

أول تلك المواقف رغبة الاطلاع، فالذي يجهل مجالا معرفيا لا يملك إزاءه سوى الامتناع عن إبداء الرأي، أو اتباع آراء غيره. ومن ثَمّ يسعى المربون إلى ربط التلاميذ بمجريات الأحداث، وتكليفهم بإعداد ملفات حولها، وتدريبهم على التمييز بين الحدث وتأويله.

أما المواقف الأخرى فتنحصر في ضرورة التحلي بوضوح الرؤية، والتواضع، والإنصات، لأن الفكر النقدي ينطبق على الفرد نفسه عملا بمقولة سقراط “اعرف نفسك بنفسك”، حتى يكتشف المتعلم في نفسه كائنا قادرا على اليقين مثلما هو قادر على التصديق والجهل وبناء الفرضيات والفهم بأن العالم شاسع ومعقّد، وأن حقل المعرفة لا حدود له، ويدرك في النهاية أنه في حاجة إلى معارف الآخرين بوصفهم كائنات اجتماعية.

ذلك أن الاستقلالية الفكرية وهمية ما لم ترتبط بالمواقف الأخرى. لأن الاستهانة بالمعارف المكرسة، وإعلاء الآراء الذاتية كمعرفة مطلقة، ونبذ الأفكار المغايرة لا تعكس حرية الفكر بقدر ما تعبر عن وثوقية ثقافية واجتماعية.

وما أحوجنا إلى تمثل تلك المقاربات الحداثية لكي نؤصل الوعي النقدي لدى الناشئة، بدل أن نبدد جهدنا ووقتنا في الحديث عن أزمات العقل العربي.

وقديما قيل: “أن توقد شمعة خير من أن تلعن الظلام”.

كاتب تونسي

15