الوعي بالثقافة

الأربعاء 2017/10/25

الوعي بالثقافة فردي بطبيعته، ومناهض للحواضن الجماعية، فغالبا ما تحقق ممارسات الكتابة والفعل الفني في الأنظمة الشمولية اختراقاتها الحقيقية حين تنتصر لمبدأ الوعي القلق، المتمرد على أطروحات السلطة واشتراطاتها؛ إذ تتجلى الأشكال “المؤمّمة” للشعر والرواية والمسرح والسينما بوصفها إذعانا لخطاب مناهض لجوهر الفعل الإبداعي، ولقاعدته المرتكزة على الاختيار والخيال والأسلوب والمغايرة، مبادئ لا يمكن أن تتصالح مع العقائد التسلطية المبنية في الأصل على رهن الفنون والآداب في نطاق الخطاب الموازي للأطروحات الطامحة للانتشار والتحكم.

لقد كان للحركات الماركسية في السابق، والقومية بعد ذلك، ثم الإسلاموية اليوم، رهان كبير على ضبط الممارسات الإبداعية بوصفها منتجة لخطابات حاملة لرسائل، أو بتعبير أقل لباقة بوصفها آلية للبروباغاندا العقائدية، لهذا كان اهتمامها بالروابط والاتحادات التي تضم الكتّاب والفنانين والمثقفين بمثل اهتمامها باتحادات العمال والفلاحين والطلاب والعلماء والفقهاء وغيرهم، ما دام وعيها بالثقافة ينتمي إلى منظومة لا تعترف بالفرد إلا بوصفه موضوع إخضاع من قبل العقيدة والأيديولوجيا المتحكمة لفائدة الطبقة والطائفة والجماعة.

لكن ما الذي يحدث حين تصاغ للآداب والفنون روابط واتحادات؟ أبسط الإجابات تفيد أنها تتحول من أفق ثقافي وجمالي مشروط بالتراكم لإدراك التحقق الرمزي، إلى نوع من السعي لتأميم الجهد والاعتراف بين أشخاص غير متساوين في ميزان القيم الرمزية، ومن ثم تصير لخطاب تلك الروابط وظيفتان، الأولى معلنة تتصل بالانخراط في مناصرة السلطة أو الأطروحة المؤسسة للعقيدة الثقافية السائدة، والثانية مضمرة وتتمثل في الحفاظ على مصالح الجماعة المنضوية تحت لواء الاتحاد والمحتلة لأجهزته، ومن ثم يتحول الوعي بالثقافة من إنتاج اختراقي مستقل ومناهض في العمق للموضوعات، إلى وعي شكلي يتعلق بالمظهر دون الجوهر، لهذا أسهل شيء لدى أدباء وكتاب الروابط هو إصدار مطبوعات لا توزع، ولا يشتريها أحد، وتلفيق ندوات من دون أثر، وارتجال جوائز لا تستند إلى قيم، والمحصلة النهائية هي تشكيل مجتمع ثقافي أجوف هدفه تبادل المنافع والدعاية للخواء.

لهذا لا يمكن أن نستغرب اليوم أن تتلاحق فضائح الروابط والاتحادات الأدبية التي لم يعد لها وجود إلا في البلدان العربية، وأن تصارع للبقاء حتى بعد إفلاس الأنظمة التسلطية الرافدة لها، لأنها باتت مثل عدد كبير من الأجهزة السياسية قاعدة لصيانة الريع المؤيد، بصرف النظر عن النجاح أو الإخفاق الربح أو الخسارة، ومن ثم فقد أصابها ما أصاب مجمل الأجهزة القائمة على مبدأ التمثيلية أي الاحتكار المزمن للمسؤولية، وإن أفضى الأمر إلى تبدد القواعد وبقاء الهياكل فقط، شاهدة على زمن اليباب…

كاتب مغربي

15