الوفاق، "حكومة مدنية" تعرف كيف تستغل كورونا عسكريا

القلاع المدنية تتحول إلى مخابئ إخوانية مموّهة في أعراف الجماعات الإسلامية التي دأبت منذ نشأتها على لغة التبييض والتخفي.
الجمعة 2020/03/27
المعركة تدارُ من أنقرة

مواجهة فايروس كورونا من المهمات المدنية للدولة احترمها الجيش الوطني الليبي، لكن حكومة الوفاق الواجهة السياسية لتيار الإسلام السياسي استغلته لأغراض عسكرية.

التصريح الذي أدلى به، يوم الاثنين الماضي، الناطق باسم الجيش الليبي اللواء أحمد المسماري، حول حقيقة الوضع في محيط طرابلس التي تسيطر عليها ميليشيات مسلحة تحت ما يعرف بحكومة الوفاق الوطني، يفنّدُ ما ذهب إليه رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، من ادعاء بأن قوات الجيش التي يقودها المشير خليفة حفتر، اخترقت الهدنة الإنسانية التي دعت لها عدة دول للتركيز على دعم جهود مكافحة وباء كورونا.

المتابع للأحداث يلحظ تناقضا واضحا بين حقيقة الواقع، والتقولات التي تصدر من جماعة السراج في طرابلس، ذلك أن من كان أكثر التزاما ومراعاة للظرف الطارئ والحساس المتعلق بالحذر الشديد من انتشار وباء كورونا، هو الجيش الليبي الذي التزم بالمعايير والتوصيات الدولية، وذلك بتقديم الإسناد الكامل لوزارة الداخلية واللجنة الأمنية، وفق ما ورد على لسان المسماري الذي قال “وحداتنا جاهزة ومناطقنا العسكرية بالكامل مسؤولة عن تنفيذ قرار فرض حظر التجوال في كل أنحاء ليبيا، نحن نقود المرحلة الحرجة وبالتالي القوات المسلحة تساند وزارة الداخلية كتف بكتف من أجل إجبار المخالفين والمستهترين لاحترام التعليمات”، مضيفا أن “التقدم ليس بالأساطيل الحربية و الآليات بل بالفكر والوعي، وإن كان المواطن واعيا نستطيع تجاوز هذه المحنة”.

يأتي هذا في الوقت الذي أكدت فيه أخبار بأن حكومة السراج خصصت بناء كمكان خاص بالحجر الصحي في قاعدة معيتيقة التي يتواجد فيها عسكريين أتراك ومرتزقة سوريون، وهو أمر خطير ويخالف التشريعات الدولية، سواء اتفاقيات جنيف الخاصة بالحرب أو قانون حقوق الإنسان، و”ينافي الأخلاق الليبية والإسلامية وينافي كل الأعراف”، كما جاء على لسان الناطق الرسمي باسم الجيش الوطني الليبي، الذي أكد أنه “لا يمكن وضع مستشفى داخل قاعدة عسكرية تتواجد بها قوات عسكرية أجنبية غازية و تعتبر قاعدة أجنبية محتلة”.

المتأمل في الأحداث والتطورات التي تشهدها الساحة الليبية، يقف عند حقيقة مفادها أن الجماعات الإخوانية، وعند كل موقع تتوهم فيه نفسها أنها على قاب قوسين أو أدنى من الاستحواذ على الحكم، تعمد إلى أمرين اثنين: الأول هو ادعاء المدنية والاستعداد للتناوب السلمي للسلطة، وذلك للتسويق الخارجي ومحاولة إقناع العالم بأن لا تناقض بين الأيديولوجيا الإسلامية والممارسة الديمقراطية النزيهة والشفافة وفق المعايير المعتمدة دوليا، والثاني هو الإصرار على إحراج الخصوم السياسيين، والقول إن “المشكلة ليست من عندنا، بدليل أننا نسعى في كل مرة لحكومة وفاق وطني، ولكن غيرنا لا يستجيب”.

هذه المظلومية، باتت “كليشيه” يعرفها أصغر المبتدئين في التحليل السياسي، ذلك أن القاعدة تقول بأن الشكائين هم غالبا ما يكونون الظالمين والمعتدين وفق المثل العامي القائل “ضربني وبكى، سبقني واشتكى”.

التوافق لدى الإخوان، هو التخفي وراء واجهة شبه ديمقراطية يسيطر فيها قادتهم ويستحوذون على نصيب الأسد من مواقع القرار ووزارات السيادة ثم يؤثثون ويزينون”ديمقراطيتهم” بـ”كومبارس” سياسي لا حول له ولا قوة.

إنهم أمكر وأخبث من هذا بكثير، إذ يطرحون ما يعرف بـ”شخصيات توافقية مستقلة” للإيحاء بأنهم أبرياء براءة الذئب من دم ابن يعقوب، لكنهم في حقيقة الأمر، ينفذون مخططهم عبر حالة من التمويه السياسي وادعاء مد يد العون والمصالحة باسم الحرص على مصلحة البلاد.

لمسنا هذا في تونس، جارة ليبيا في حدودها الشمالية الغربية، من خلال حركة النهضة وزعيمها راشد الغنوشي، والذي يسعى دائما للظهور في مظهر الحمل الوديع أمام “ذئاب الليبرالية المتوحشة والعلمانية الكافرة، واليسار المارق”، أما في طرابلس فإن الحاكم الفعلي يدير الأمور من أنقرة، ويلهي السراج بالتفاصيل وطلب التوافقات المستحيلة.

وهذا ما يؤكده موقف وقراءة الجيش الوطني الليبي من خلال المسماري في قوله “على ما يبدو أن الرئاسي في اتجاه والميليشيات في اتجاه آخر.. الميليشيات تدار من تركيا والسراج عبارة عن واجهة سياسية إعلامية يحاولون استغلالها لأبعد ما يمكن”. ويتابع المسماري، عبر قراءة لا تتحمل اللبس أو التضليل، ووفق معطيات استخبارية تستند إلى الواقع الميداني “الواقع أن المعركة لا تدار من طرابلس بل من أنقرة، و قادة المعارك هم الآن بالكامل أتراك”.

ومع ذلك، فإن الجيش الوطني الليبي، وكمؤسسة عسكرية تحترم اللوائح والأعراف والالتزام بميثاقها الأخلاقي والوطني، وجه رسالة مفادها أنه يحترم المطالب الدولية للهدنة والتهدئة من أجل إعطاء فرصة لمقاومة كورونا ولأسباب إنسانية، بينما لا يحترم الطرف الآخر ذلك، لأن الأوامر تأتيه من أنقرة.

الحقيقة أن السراج لا يمتلك من مدنية المنصب الذي يقدم من خلاله نفسه، سوى بدلة وربطة عنق، وإيهام الجارة تونس بالتزام حسن الجوار، مشيدا بتجربتها الديمقراطية التي ينكرها على شعبه، وعارضا عليها “التعاون والمساعدة في محاربة كورونا”. هذا في الوقت الذي تتاجر فيه ميليشيات طرابلس بهذا الوباء، وتصنع من خلاله متاريس بشرية في لعبة تمويه واستثمار لهذا الوباء أمام الرأي العام الدولي.

هكذا تتحول القلاع المدنية والحقوقية إلى مخابئ إخوانية مموهة في أعراف هذه الجماعات التي دأبت منذ نشأتها، على لغة التبييض والتخفي، وقد نجحت في ذلك مرات عديدة، لكنها اليوم باتت مثل قصة “الراعي الكذاب” الذي لم يعد أحد يصدق استغاثاته فمن “جرّب المجرّب كان عقله مخرّب” كما تقول العامة.

13