الوفاق السعودي - العماني يشمل سياسات إيران

قلق السعودية على أمنها معطى رئيسي في تحوّلات السياسة الإقليمية لعُمان.
الثلاثاء 2021/07/13
خطوات واثقة نحو مستقبل مشترك

زيارة سلطان عمان هيثم بن طارق إلى السعودية التي اُختتمت الاثنين تشكّل في نظر المهتمين بالشأن الخليجي منعطفا في مسار العلاقة بين مسقط والرياض، نحو حقبة جديدة من التنسيق والتعاون الشامل في مختلف المجالات والمتحرّر من اعتبارات جانبية وحسابات خاصّة بكلّ طرف، يبدو أنّها فقدت أهميتها أمام الكمّ الكبير من المصالح التي تجمع بين البلدين والتحديات التي تواجههما على حدّ سواء.

نيوم (السعودية) - لم تستثن حالة الوفاق السعودي – العُماني الشامل التي برزت خلال زيارة سلطان عُمان هيثم بن طارق إلى السعودية الموقف من البرنامجين النووي والصاروخي لإيران، وذلك كتعبير عن قوّة الدفع التي يتميّز بها التطوّر السريع في علاقة البلدين وقدرته على تجاوز مختلف الاعتبارات الثانوية من قبيل العلاقة القوية التي ربطت دائما بين طهران ومسقط، وفرضت على الأخيرة التعامل في أوقات سابقة بحذر مع القضايا والملفات ذات الصلة بإيران وسياساتها في المنطقة.

وأكّد الجانبان السعودي والعماني في بيان صدر بمناسبة اختتام الزيارة التي وصفت بالاستثنائية، وفُتحت خلالها ملفّات التعاون الشامل في عدد كبير من المجالات “أهمية التعاون والتعامل بشكل جديّ وفعّال مع الملف النووي والصاروخي الإيراني بكافة مكوناته وتداعياته، وبما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي والتأكيد على مبادئ حُسن الجوار واحترام القرارات الأممية والشرعية الدولية، وتجنيب المنطقة كافة الأنشطة المزعزعة للاستقرار”.

وتعني مشاركة عُمان للسعودية في هذا الموقف أنّ السلطنة تراعي في علاقتها مع إيران قلق المملكة على أمنها وأمن المنطقة ككلّ من سياسات إيران وإصرارها على تطوير ترسانتها العسكرية، وعدم تقديمها ما يكفي من الضمانات لإثبات سلمية برنامجها النووي، فضلا عن تدخّلاتها في الإقليم بتوظيف أذرع طائفية لها على غرار ما تقوم به في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

محاولة عُمان إقناع الحوثيين بوقف إطلاق النار رغم عدم نجاحها مجرّد مقدمة لدور عماني أكبر في حلحلة الملف اليمني

كما شملت حالة الوفاق السعودي – العماني الملف اليمني الذي لا يمكن فصله عن سياسات إيران في المنطقة، على اعتبار المتمرّدين الحوثيين وكلاء لإيران يستخدمون قدرات تسليحية وخبرات عسكرية إيرانية في خوض الحرب داخل البلد، وأيضا في استهداف أراضي السعودية وتهديد الملاحة البحرية.

وورد في البيان بشأن هذا الملف تأكيد على تطابق وجهات النظر بين مسقط والرياض حول مواصلة الجهود لإيجاد حلّ سياسي شامل للأزمة اليمنية قائم على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني اليمني الشامل وقرار مجلس الأمن الدولي ومبادرة المملكة العربية السعودية لإنهاء الأزمة اليمنية، ورفع المعاناة الإنسانية عن الشعب اليمني.

وتمتلك سلطنة عمان المقوّمات للعب دور كبير في حلحلة الملف اليمني، وبالتالي مساعدة السعودية على التخلّص من عبئه الثقيل وذلك بفضل احتفاظ السلطنة بعلاقات عادية مع المتمرّدين الحوثيين فضلا عن علاقاتها المتطوّرة مع داعمتهم إيران ذات التأثير المؤكّد على مواقفهم وقراراتهم بما في ذلك قرار الحرب والسلام.

وقامت السلطنة مؤخّرا بتطوير دورها في محاولات لحلحلة الصراع في اليمن من مجرّد حاضنة للقاءات بين المتمرّدين وجهات يمنية وأممية ودولية، إلى وسيط في المساعي الرامية لإقرار وقف لإطلاق النار والشروع في محادثات سلام، وذلك من خلال إرسالها وفدا إلى العاصمة اليمنية صنعاء لم ينجح في إقناع الحوثيين بالموافقة على مقترح وقف إطلاق النار، لكنّ مراقبين اعتبروا ذلك مجرّد بداية لدور عماني أكبر في الملف اليمني، ومتوقّعين ظهور نتائج لذلك الدور في المدى المتوسّط.

وسبق أن كشفت مصادر سياسية لـ”العرب” عن جهود دبلوماسية بذلتها سلطنة عمان خلال الفترة الماضية لترطيب الأجواء بين الرياض وطهران، من خلال نقل رسائل غير مباشرة تصبّ في اتجاه تخفيف حدة الاحتقان في المنطقة على خلفية التوترات المتصاعدة في الملف اليمني ودور طهران المباشر في تمويل الميليشيات الحوثية.

وفي الجانب الاقتصادي أشاد الجانبان العماني والسعودي في البيان بجهود دول مجموعة أوبك بلس بقيادة المملكة وبمشاركة سلطنة عُمان، التي أدّت إلى استقرار وتوازن الأسواق البترولية رغم ضعف الطلب الذي عانت منه الأسواق جرّاء موجات جائحة كورونا التي لا تزال تؤثر على جزء كبير من العالم، وأكّدا على ضرورة الاستمرار في التعاون لدعم استقرار الأسواق البترولية.

مشاركة عُمان للسعودية في هذا الموقف يؤكد أنّ السلطنة تراعي في علاقتها مع إيران قلق المملكة على أمنها وأمن المنطقة ككلّ من سياسات إيران وإصرارها على تطوير ترسانتها العسكرية

كما رحّب الجانبان بالتوقيع على مذكرة بشأن تأسيس مجلس تنسيق سعودي – عُماني برئاسة وزيري خارجية البلدين لتعزيز علاقاتهما الثنائية في شتى المجالات.

واتفق الطرفان على توجيه الجهات المعنية للإسراع بافتتاح الطريق البري المباشر والمنفذ الحدودي الذي سيُسهم في سلاسة تنقّل مواطني البلدين، وتكامل سلاسل الإمداد في سبيل تحقيق التكامل الاقتصادي المنشود بين البلدين.

ووجّه البلدان بالعمل على إبرام عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم للتعاون في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والأمنية والثقافية والدبلوماسية والتعليمية وفي كل ما من شأنه أن يعزز المنافع والمصالح المشتركة.

وأكّدا عزمهما على رفع وتيرة التعاون الاقتصادي من خلال تحفيز القطاعين الحكومي والخاص للوصول إلى تبادلات تجارية واستثمارية نوعية عبر إطلاق مجموعة من المبادرات المشتركة، والتي تشمل مجالات تعاون رئيسية منها الاستثمارات في منطقة الدقم بسلطنة عمان والتعاون في مجال الطاقة، بالإضافة إلى الشراكة في مجال الأمن الغذائي والتعاون في الأنشطة الثقافية والرياضية والسياحية المختلفة.

كما جدّدا التأكيد على تعزيز التعاون في مجالات البيئة والأمن الغذائي ومبادرة الشرق الأوسط الأخضر، لما فيها من منفعة على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية.

وذكر البيان أن السلطان هيثم بن طارق وجه دعوة إلى العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز لزيارة عُمان، وأبرز تقدير الملك سلمان لهذه الدعوة والترحيب بها.

وكان السلطان هيثم بن طارق قد اختتم الاثنين زيارته إلى السعودية بذات الحفاوة التي كان قد استُقبل بها الأحد، حيث كان في وداعه لدى مغادرته مطار خليج نيوم بشمال غرب المملكة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

3