الوقت القيمي

الخميس 2017/06/22

الوقت القيمي (كوليتي تايم) هو عكس الوقت الكمي (كونتيتي تايم)، ويقصد به حساب الوقت وفق قيمته وليس وفق طوله.

ظهر المصطلح في بداية السبعينات في أوج الثورة النسوية، وأول من استعملته صحيفة ذي كابيتول الأميركية في عام 1973 في معرض حديثها عن ضرورة أن يخصص الرجل “وقتا قيميا” للمرأة التي كانت في ذلك الزمن، تنعزل في البيوت وتنفق وقتها في الطبخ والتنظيف.

ومع ازدياد الضغوط الخارجية وكثرة المسؤوليات على الأسرة الحديثة، وجد المصطلح رواجا لدى جمعيات حقوق المرأة ومناهج التربية الحديثة، وعثر أصحاب المهن الصعبة والمعقدة والمسؤوليات الكثيرة على ضالتهم فيه معتبرينه الحل الذي من شأنه أن يريحهم من عبء الانشغال الكامل عن الأسرة. يتلخص مفهوم الوقت القيمي في قضاء وقت مفيد (بغض النظر عن طوله) مع العائلة والأبناء، والتركيز على الفائدة النوعية التي يعود بها هذا الوقت على المستفيدين منه.

الأمثلة على ذلك كثيرة، فمثلا يمكن تخصيص ساعة في اليوم للعب مع الأطفال لعبة معينة والحديث معهم في مختلف المواضيع التي تشغل حياتهم واهتماماتهم، فإذا كانت الساعة وقتا طويلا لا تحتمله أجندة أصحاب المسؤوليات الكبرى فلتكن نصف ساعة أو ربع ساعة يتفرغون فيها تفرغا تاما للتركيز على الأطفال والأسرة، ويكون هدفها بالنسبة إليهم واضحا وينضوي تحت مبدأ أساسي وهو الاهتمام الحقيقي والواعي بأفراد الأسرة ومشاكلهم.

من لا يستطيع فعل ذلك مرة في اليوم، فليكن مرة في الأسبوع، يخرج فيها مع العائلة أو الزوجة أو الأطفال للقيام بأنشطة ممتعة ومفيدة للأسرة وفق هدف محدد ورؤيا واضحة حول أهمية هذا الوقت وقيمته المعنوية العالية.

الوقت القيمي، وقت مكثف، عكس الوقت الكمي، الذي يمكن أن تجلس فيه على كنبة في الغرفة لساعات طويلة في حين يتلهى طفلك إلى جانبك بالألعاب الإلكترونية أو مشاهدة التلفزيون، أو بالشجار مع أخوته أو الحديث على الهاتف، وهو إقصائي أيضا، أي من الممكن أن يركز على طفل دون غيره في كل مرة، فإذا كان أحد أبنائك يحب كرة القدم والآخر يحب التجول في المعارض، فلا فائدة من اصطحابهما معا في جولة ترفيهية، الأفضل أن تخصص وقتا لكل منهما على حدة، لأن متعة الواحد تختلف عن الآخر.

أما القيمة فيجب أن تكون واضحة ومحددة: قيمة معرفية مثلا يتعلم خلالها الطفل شيئا جديدا، أو قيمة نفسية تساعد الطفل على التخلص من الضغوط والمشاكل، أو علمية أو ترفيهية لغرض التسلية، أو قيمة أخلاقية روحية أو غيرها من القيم الكثيرة التي تتداخل وتتشابك في الغالب.

خمس دقائق من الوقت القيمي تعادل أياما وأسابيع من الوقت المهدر بلا فائدة، وربما حياة كاملة. وربع ساعة من الحديث المركز الهادف مع أحد أفراد العائلة يجعل الحياة أسهل وألطف.

يدعي بعض الرجال أنهم يتفرغون بشكل كاف لزوجاتهم وبيتوهم وأطفالهم، وقد يفعلون حقا، لكن ما فائدة وقت يقضى في الدخول والخروج من غرفة لغرفة، أو التحرك من كرسي لكرسي، أو النوم أو مشاهدة التلفاز أو القراءة أو التعبد أو الانعزال لأي غرض من الأغراض؟

القيمة المضافة من هذا الوقت، هي في تحسين أجواء الأسرة وتقوية روابطها، وهي قيمة غير مكلفة بالضرورة إذ يكفي أن تذهب العائلة في نزهة على القدمين أو تتحلق حول طاولة الأكل لتتحدث حول أمور يومها حتى تتحقق هذه القيمة.

كاتبة من تونس مقيمة بهولندا

21