الوقت الميت

الخميس 2015/11/05

الوقت الميت، وليس الوقت المستقطع كما يحلو لهواة بعض الرياضات الجماعية تسميته، هو الفسحة الزمنية التي يجد فيها المرء نفسه وحيدا في مواجهة مشاغله، وتبديد قلقه بمفرده، دون مساعدة من أحد. لحظات يروم أن يخلد فيها ذهنه إلى الراحة والكسل اللذيذ والخمول الذي يراد من ورائه نبذ التفكير في أي شيء.

والمفارقة أن تلك اللحظات التي يخلو فيها إلى نفسه ليست وقتا ميتا كما يدل عليها اسمها، بل هي لحظات لا تعدم حيوية، رغم أنف من يحياها أحيانا. فعادة ما يكون الذهن الذي ينشد الراحة في حال نشاط، ولو فاتر، قد يقوده إلى أحلام يقظة، أو التفكير في مشروع، أو استرجاع ما مضى من حياته، قريبه أو بعيده، لغاية ولغير غاية، بصورة لاواعية في أغلب الأوقات. أي أن الذهن لا يرتاح، حتى وإن نشد الراحة، وهو ما عناه بليز باسكال بقوله “كل مصائب البشر متأتية من شيء واحد، هو عدم قدرتهم على الاستراحة داخل غرفة”.

هذا الوقت الميت، على ضيق مدته الزمنيه، لم يعد له وجود تقريبا في حياتنا المعاصرة، بعد أن نسفت الوسائل الرقمية الحديثة التي جاءت بها الثورة الأنتروبولوجية الثالثة كل إمكانية لاعتزال العالم، والانفراد بالذات دقائق معدودات، فقد غزت تلك الوسائل حياتنا، ونهبت منا تلك الفسح الحميمية، وحيثما ولينا وجوهنا صادفتنا شاشات مستطيلة مضيئة جذابة، اختلفت أنواعها، وتعددت مغرياتها، وتوحدت غاياتها، فقد صارت تشوش انتباهنا، وتقطع حبل تفكيرنا، وحتى أحاديثنا وطرائفنا، والأخطر أنها تعزلنا عن بعضنا بعضا فيما هي تزعم تيسير التواصل بيننا.

والمصيبة أننا ما عدنا قادرين على التخلي عنها، وكأنها جزء منا خلق معنا. ففي دراسة موّلتها شركة نوكيا تبيّن أن الفرد يطّلع مئة وخمسين مرة في اليوم على جهاز السمارتفون، أي كل ست دقائق وثلاثين ثانية، وأنه، حيثما كان، لا يمكن أن يجد لحظة هجوع، فالرسائل الهاتفية القصيرة والرسائل الإلكترونية ورنات الفيسبوك والتويتر المعلنة عن تلقي رسالة أو مشاركة لا تترك للذهن نصيبا للتمتع بذلك الوقت الميت.

فماذا يمكن للمرء أن يفعل خلال ست دقائق ونصف الدقيقة؟ بل كيف يمكن أن يركز على ما بين يديه في حضور الجوال والسمارتفون والآي فون وكلها لا تنام لحظة؟ وإن نامت أكثر ما يقدّر تفقّدها، وربما أيقظها ليرى ما خزنت في ذاكرتها خلال شروده المقتضب.

فمن أين لإنسان اليوم أن يتفكر ويتأمل وقد ضاع وقته الميت؟

كاتب من تونس مقيم بباريس

15