الوقوع غير الآمن في أسر العوالم الإفتراضية

الثلاثاء 2013/10/08
رسائل الهاتف الجوال الليلية تعزز اضطرابات النوم وتفسد علاقات الصداقة

يبدو بأن مفهوم الانجذاب السريع لكل ما هو جديد وطارىء، في محاولة لكسر سياق الرتابة التي تسير عليها ساعات حياتنا اليومية، قد تغير عند كثير من الناس الذين اختلط عليهم الأمر، فأهملوا الأساسيات وباتوا يتعلقون بجوانب ثانوية طارئة، فرضتها عليهم عجلة التطور التقني، التي مازالت تضاعف من سرعتها وتتحدى الجميع للحاق بها من دون جدوى.

وهكذا أصبح بعض الناس أسرى لعوالم افتراضية صنعوها بأنفسهم، فباتت تؤرقهم حتى في منامهم، فصرنا نسمع الكثيرين وهم يعبّرون عن تعلقهم الشديد بهواتفهم الجّوالة، ويظهرون عدم قدرتهم الاستغناء عنها وكأنها أحد أبنائهم.

هذا الهاتف الجوَال أو النقال أو المحمول، الذي يمتلك أكثر من اسم وصفة، هو عينه الذي لم يكن شيئا يذكر في حياة الناس، منذ سنوات لا تعد طويلة في حساب الزمن، صار اليوم كيانا أساسا يتماشى جيدا مع التكوين العضوي للذراع البشرية، حيث فرض نفسه بقوة وعلى رأس مكونات روتين الحياة اليومية، وصار لسان حال كثير من الناس الذين ما زالوا يستمتعون بالإبحار الإلكتروني داخل عوالمهم المتخيلة، فينسون العالم من حولهم ولا تسود جلساتهم في المنزل أو مع الأصدقاء سوى لغة الصمت، ومثلهم عشرات المارة الذين يجتازون الشوارع يوميا، وأعينهم مسددة إلى شاشة أجهزة النقال الذكية، وهم في سباتهم هذا قلما يعيرون أهمية لمن حولهم، ولا يوقظهم سوى أصوات منبهات السيارات، الذين يغفلون عنها أحيانا بسبب استغراقهم في قراءة رسالة أو الرد على أخرى.

وبعد أن كان الليل مخصصا للراحة والهدوء، أصبح أفضل وقت لإجراء المكالمات الهاتفية، أو إرسال واستقبال الرسائل القصيرة، بصرف النظر عن أهميتها وأهمية مرسلها. لهذا، حذر خبراء من أن العديد من الناس، الذين يظهرون عدم استطاعتهم الاستغناء عن هواتفهم المحمولة، خاصة في فترة المساء، عرضة للمعاناة من مشكلات تتعلق باضطرابات النوم، خاصة أن أغلبهم يحرص على تبادل نصوص الرسائل القصيرة بإفراط، ضمن الساعات المخصصة للنوم.

ووجد باحثون أميركيون بأن هؤلاء قد يعانون ضغوطا نفسية، بسبب اعتقادهم بضرورة الرد على الرسائل التي تصلهم، بصرف النظر عن الشخص المرسل والتوقيت، كما أن إصرار البعض على الاحتفاظ بهواتفهم بجانب السرير، يعني بالتأكيد إمكانية تلقيهم رسائل بصورة متواصلة، أثناء وقت النوم، ما يعكر عليهم أوقات النوم ويجعلها متقطعة.

في هذا الإطار، وجدت الدكتورة كارلا موردوك أستاذة علم النفس في جامعة واشنطن لي، بأن طلاب المرحلة الأولى الذين اعتادوا على النوم وبجانبهم هواتفهم المحمولة، كانوا أكثر معاناة من اضطرابات بالنوم، بصرف النظر عن مستوى الإجهاد الذي يعانونه.

وكانت موردوك قد استقت نتائجها، من خلال مجموعة من الأسئلة التي طرحتها على الطلاب، تتعلق بعادات النوم لديهم والمشكلات التي يواجهونها، بسبب عدم حصولهم على كفايتهم من النوم، وتضمنت قائمة الأسئلة عدد المرات التي يتلقى فيها الطالب الرسائل على هاتفه الجوال، على مدار اليوم الواحد، وكذلك عدد المرات التي يجد نفسه مضطرا للإجابة عنها. ولتقييم عادات النوم لدى طلابها، اعتمدت الدكتورة كارلا مقياس مؤشر جودة النوم "بيتزبيرغ"، ويستخدم هذا المقياس على نطاق واسع لرصد نواحي متعددة من العادات الفردية الخاصة بالنوم مثل؛ عدد ساعات النوم، ومقدار الوقت الذي يستغرقه الفرد للاستسلام لنوم عميق، كذلك مقدار الوقت الذي يقضيه الفرد نائما، مقارنة بالوقت الإجمالي لوجوده في السرير، إضافة إلى اضطرابات النوم في الليل، والشعور بالنعاس أثناء ساعات النهار.

وخلصت النتيجة إلى أن تزايد وتكرار عدد رسائل الهاتف الجوال المستقبلة يومياَ، يقابله ارتفاع وتيرة اضطرابات النوم، ويعزز هذا الاستنتاج أدلة البحوث السابقة، التي أشارت إلى وجود علاقة مباشرة بين استخدام الهاتف المحمول وقلة النوم لدى المراهقين والشباب البالغين.

كما وجدت الدراسة، بأن الرسائل النصية المتكررة، تسهم في خلق التوتر في العلاقات بين الأصدقاء؛ لأن رسالة الهاتف الجوال النصية القصيرة، لا يمكن أن تنقل التفاصيل الدقيقة أثناء المحادثة، خاصة إذا تم تبادلها في ساعات متأخرة من الليل، حيث يقل التركيز الذهني ويتشتت الانتباه بسبب النعاس.

من جهة أخرى، فإن الرسائل الكثيفة قد لا تكون اختيارا مناسبا، في حال وجود مشكلات مسبقة، أو ضغوط من أي نوع في حالات الصداقات المتينة، إذ أنها قد تعمق الفجوى بين الطرفين.

وترى الدكتورة كارلا موردوك، بأن شيوع استخدام اللغة المختصرة في مثل هذا النوع من الرسائل، يفتقر إلى القدرة على توضيح الأمور بالصورة المطلوبة، لتلافي الالتباس أو سوء الفهم من قبل الطرف المتلقي، وهذا بدوره، قد لا يوفر أي دعم لتعزيز العلاقات، وحل الخلافات ومناقشة الأمور الحساسة، إضافة إلى ذلك، تخفق الرسائل النصية في توفير عنصر التعبير غير اللفظي في الحديث، من إشارات وتعبيرات الوجه، والتي من شأنها أن تثري المحادثة، التي تكون وجهاً لوجه. إلى ذلك، تؤكد الباحثة بأن هذه الطريقة في التعامل السطحي، ومع وجود علاقات متوترة وضغوط قد لا تخدم أيا من الطرفين، بل من شأنها أن تعمق الخلافات، خاصة إذا تم كتابة الرسالة النصية بصورة مستعجلة، بحيث تستبعد بعض الكلمات، من دون قصد، أو تضاف بعض التعبيرات غير المناسبة، فتفقد بذلك هدفها الحقيقي.

21