الوكيل الأدبي

الأحد 2017/10/29

ما هي المعايير المعمول بها في الغرب على صعيد صناعة النشر وكيف يُصنع الأدب؟

نظرا لأنّنا من أقل الأمم قراءة للكتب، وأكثرها ارتفاعا في نسبة الأمية وعدم تقدير الكتاب والاستخفاف بجهود الكتّاب وحقوقهم الماديّة والفكرية والمعنوية، فإنّنا والحال هذه، أبعد ما نكون عن صناعة الأدب تلك، أو ترويج وفرض أسماء كتّابنا. ذلك لأن واحدا من أهم وأبرز شروط النجاح الأدبي، تجاريا، هو سعة الانتشار. وإذا كانت مبيعات أفضل الكتّاب العرب لا تتجاوز بضعة آلاف من النسخ في موطنهم الأم، فكيف سيتحقق الانتشار العالمي والترجمة إلى اللغات الأخرى؟

ولحسن الحظ أنّ نجيب محفوظ ظهر في عصر لم تكن فيه التكنولوجيا والنسخ الرقمية المقرصنة قد انتشرت بعد، فحقق الانتشار الواسع عربيا ومن ثم تُرجم إلى اللغات المختلفة وباعت كتبه ملايين النسخ الأصلية، الأمر الذي أهله للترشح لجائزة نوبل والفوز بها.

بالتأكيد هناك الكثير من الأدباء العرب المعاصرين ممن يستحقون الحضور والانتشار عالميا، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في فقدان التقاليد في عالمنا العربي، فنحن أمّة من دون تقاليد ثقافية للأسف، وتتحكم بثقافتنا النزعات السياسية وواقع التجزئة القطرية والريبة المتمثلة بعقلية الرقيب الثقافي وهيمنة الأخ الأكبر المتمثل بالنظام السياسي الدكتاتوري أو القبلي، ومن دون تقاليد لا يمكن أن نحقق الرقيّ والحضور الثقافي عالميا ولا يمكن أن تحترمنا الأمم، وبالتالي تحترم مبدعينا وأدباءنا.

أول الاشتراطات هو ما يتعلّق بعالم النشر وتنظيم عملية توزيع الكتاب وضمان حقّ المؤلف، باعتماد السبل الكفيلة لتسجيل مؤلفاته عالميا في المكتبات العامّة، ومن ثم السعي لترجمة أعماله إلى اللغات المختلفة وتوزيعها على يد ناشرين محترفين يعرفون الطريق إلى عقل القارئ الغربي جيّدا، وكل ذلك لا يمكن تحقيقه ما لم يكن هناك وكيل أدبي محترف للكاتب من شأنه متابعة تلك الأعمال والتواصل مع دور النشر والمترجمين والموزعين والإشراف على العقود المنظّمة لعملية النشر ومدى قانونيتها، لضمان حقّ الكاتب.

هناك بون شاسع بين ما يجري في العالم العربي من طرق وأساليب نشر بدائية تعتريها الفوضى، وبين الأسس والتقاليد العريقة المتّبعة في الغرب، وعلينا، قبل المطالبة بحضورنا الفاعل في المحافل الأدبية العالمية، أن نؤمن بالتقاليد الأدبية وتنمية حركة النقد العربية، بعيدا عن الأهواء الشخصية والمجاملات واعتماد الأسس العلمية وصنع مرجعيات نقّدية حقيقية قد تؤدي لاحقا إلى صنع أدباء عرب كبار، أقصد صنعهم وفق المعايير العالمية وليس كما تصنع النجوم الزائفة، وهو أمر يتطلب وضع أسسه الثقافية والتربوية الراسخة من الآن لعلّه يثمر في العقود المقبلة، ولا يوجد شيء اسمه اختراق المراحل أو الركون إلى الحظ أو الاستسلام للأوهام أو اعتماد مبدأ “الفهلوة الأدبية”.

لقد أذهلتني تجربة متواضعة مررت بها مؤخرا عندما تعاقدت معي إحدى دور النشر الهولندية على ترجمة ونشر وتوزيع روايتي الأخيرة، أقول أذهلتني لجهة دقّة الإجراءات المعتمدة ودقّة العقد الذي روجعت مواده على يد أحد مستشاري اتحاد الكتّاب الهولنديين القانونيين، قبل أن يطالبني الناشر بتحديد وكيلي الأدبي.

ونظرا لجهلي بمثل تلك التفصيلات، لجأت إلى الاتحاد نفسه كوني عضوا فيه، فتدخل بصفته الاعتبارية كوكيل أدبي لي بعد أن تنازل عن حقّه العام من نسبة المبيعات، لكنني خرجت في المحصلة النهائية لهذه التجربة، بخيبة أمل كبيرة وشعور بالإحباط مما يجري في عالمنا العربي من فوضى على صعيد صناعة النشر وتوزيع الكتاب وطبيعة العلاقة بين الكاتب والناشر.

كاتب من العراق

11