الوكيل الأدبي مهنة مبهمة في سوق الكتاب العربي

الوكالة الأدبية تمد يد المساعدة للمبدعين الشباب غير القادرين على الوصول إلى دور النشر وتكتشف مواهب جديدة.
الجمعة 2020/10/09
ماهي وظيفة الوكيل الأدبي (لوحة للفنان بسيم الريس)

أثار الإعلان عن تأسيس أول وكالة أدبية في القاهرة حالة من الجدل بين المثقفين والمؤلفين حول مدى حاجة سوق النشر العربي لوكالات أدبية ترعى مصالح الكُتاب وتساعدهم قبل عملية النشر وبعدها. فمنهم من رحب بالفكرة منتظرا الإنجاز على أرض الواقع ومنهم من رفضها على اعتبار أنها تجارة تضر بالمؤلف وتبتزه ماديا.

يرى البعض من الكتاب أن الوكالات الأدبية بمفهومها الشامل يُمكن أن تسهم في إعادة الاستقرار لسوق النشر المتنامي، وتساعد على الحد من العشوائية الطاغية على صناعة الكتاب بصفة عامة، نتيجة الاتساع الكبير في أعداد دور النشر، ونشوء ظواهر جديدة صاحبت بروز ألوان مستحدثة من الكتابة، وتزامن ذلك مع تطور منصات التواصل الاجتماعي.

وبدا واضحا أن رغبة المؤلفين في نشر كتبهم صاحبها تأسيس عدد كبير من دور النشر الجديدة التي تركز على تقاضي أموال من الكتاب مقابل نشر أعمالهم دون التفات إلى مستوى الكتابة، أو الاهتمام بمحتوى العمل المنشور.

في ظل عدم وجود قواعد واضحة لتنظيم نشر الكتب الإبداعية وفق قياس موضوعي لمستواها الفني، رأى كثيرون أهمية إنشاء كيانات وسيطة تمثل جسرا بين المبدعين ومجتمع النشر متمثلة في الوكالات الأدبية.

مساعدة المبتدئين

عماد العادلي: الوكالة الأدبية رسالة لدعم الثقافة العربية
عماد العادلي: الوكالة الأدبية رسالة لدعم الثقافة العربية

يقول عماد العادلي مدير ومؤسس أول وكالة أدبية بالقاهرة، والتي دُشنت قبل أيام، “إننا بحاجة لمد يد المساعدة للمبدعين الشباب غير القادرين على الوصول إلى دور النشر، واكتشاف مواهب جديدة”. وعمل العادلي لأكثر من عشرين عاما في مجال تسويق الكتب بإحدى المكتبات الكبرى في مصر، واكتسب خبرة طويلة تؤهله لتبني هذا المشروع.

يؤكد لـ”العرب” أن فكرة الوكالة الأدبية ظلت تراوده لسنوات طويلة، باعتبارها رسالة لدعم الثقافة العربية قبل أن تكون وسيلة تحقيق ربح، وأن هناك كتابا في بداية الطريق بحاجة للنصح والتشجيع لتطوير إبداعهم.

 وأجرى العادلي دراسات عديدة على سوق النشر العربي خلال السنوات الأخيرة، وخلص إلى ضرورة تقديم حزم من الخدمات المروجة للكتب الجديدة بما يوسع من جمهور الثقافة.

ويلاحظ عدم وجود وكالات أدبية في معظم الدول العربية، ما أثّر سلبا على ذيوع وانتشار بعض الأعمال خارج محيط العالم العربي، لأن معظم المؤسسات الأجنبية الثقافية لا تتعامل مع أفراد، ولا تقوم بترجمة الأعمال الأدبية العربية إلا من خلال برامج ومشروعات ترعاها مؤسسات.

ويؤكد العادلي، على قدرة الوكالة على تحقيق قدر من الاستقرار والتنظيم لسوق الكتاب عبر خدمات متعددة تقوم بتوفيرها تصاحب فيها الكتاب أو دار النشر المصدرة له في رحلة إخراجية منذ بداية الفكرة وحتى خدمات ما بعد النشر والتسويق.

ويُفترض أن تقدم الوكالة خدمة التحرير الأدبي بشكل احترافي، والتصحيح اللغوي، والتنسيق والإخراج الداخلي الفني للكتاب، وتصميم الأغلفة، وخدمات ترويجية للكتّاب ودور النشر بالتسويق الإلكتروني عبر صفحتها والصفحات الأُخرى، وعمل حفلات توقيع ومناقشتها، والتقديم لجوائز محلية وخارجية، والعمل على ترجمة الأعمال إلى لغات أخرى عن طريق متخصصين.

تأسيس كيانات وسيطة يضر بالمواهب من غير القادرين على دفع مقابل مادي للوكالات للترويج لأعمالهم أو نشرها

ويمتد دور الوكالة للتواصل مع شركات الإنتاج المختلفة لعرض الأعمال الأدبية، وتحديد صلاحية كل منها للدراما التلفزيونية أو السينمائية. البعض من المثقفين يرى أن تأسيس وكالة متخصصة يوفر على الناشر الكثير من الوقت والتكاليف المتعلقة بصناعة الكتاب، من لجنة قراءة وتحرير للنص ومراجعة لغوية، ودعاية، وعقد ندوات لمناقشة الأعمال، وغيرها من الخدمات التي تضمن وصول الكتاب إلى الجمهور المستهدف من القراء بصورته وشكله المثالي.

يقول شريف الليثي مدير دار تويا للنشر بالقاهرة، لـ”العرب” إن وساطة الوكالة الأدبية مهمة للغاية لدور النشر قبل الكتّاب، لأنها ستكون على دراية بخطط وتوجهات كل دار نشر، ويُمكن أن تحدد للمؤلف أي دار أنسب لنصه، خاصة أن هناك دور نشر تركز بشكل أكبر على الأدب الرومانسي، وأخرى تُفضل نشر أدب الرعب والخيال العلمي، وثالثة تهتم بالأدب البوليسي أو الساخر، وهكذا.

وتوفر الوكالة الأدبية وقتا طويلا على دار النشر، مقابل ربح معقول، وهي كيانات موجودة في الكثير من دول العالم المهتمة بالثقافة وتحفظ لكل طرف من أطراف النشر حقوقه.

وإذا كان البعض يرى أن دور النشر يمكن أن تقدم كافة الخدمات التي تقوم بها الوكالة، فإن الليثي يتحفظ على ذلك التصور ضاربا المثل بأنه كصاحب دار نشر كان يبحث عن مقر إداري جديد ولجأ إلى سمسار عقارات للحصول على المقر بسرعة، ومع الفارق فإن دور النشر تهدر وقتا طويلا في انتقاء مواهب إبداع حقيقية، كما تهدر وقتا في التعامل مع مصممي الأغلفة والمخرجين الفنيين والمصححين.

ثقافة أم تجارة

شريف الليثي: وساطة الوكالة الأدبية مهمة للغاية لدور النشر قبل الكتّاب
شريف الليثي: وساطة الوكالة الأدبية مهمة للغاية لدور النشر قبل الكتّاب

يشير مصطفى الفرماوي مدير مكتبات الشروق العريقة، إلى أنه رأى على مدى سنوات عمله الطويلة في مجال الثقافة والنشر الكثير من الأعمال المتميزة التي لا تحظى بخدمات نشر جيدة، بينما تحظى أعمال أخرى رديئة بخدمات نشر ودعاية مثالية، لأسباب قد لا تتعلق بالنشر نفسه، ما يعني أن إنشاء وكالات أدبية يمثل إضافة مهمة لعالم الثقافة والإبداع.

ويلفت الروائي إبراهيم عبدالمجيد، لـ”العرب”، إلى أن الوكيل الأدبي عملية ضرورية تستحق كل التشجيع، والمهم أن يبذل جهدا حقيقيا في التعريف بالأعمال بأكثر من لغة، وتكون نسبة أتعابه معتدلة.

في المقابل، هناك من يرون أن تأسيس كيانات وسيطة يضر بأصحاب المواهب الحقيقية، وغير القادرين على دفع مقابل مادي للوكالات للترويج لأعمالهم أو نشرها.

ويذكر الروائي المصري أشرف العشماوي، أنه من المهم التفرقة بين فكرة الوكيل الأدبي والسمسار، فالمحاولات التي جرت على الساحة الثقافية في مصر خلال السنوات الماضية بعيدة عن مفهوم الوكيل وتميل أكثر لفكرة الناشر السمسار، مع التداخل في اختصاصات المحرر الأدبي والمدقق اللغوي وتخلط بين الاختصاصات في مزيج يبعد بها عن فكرة الوكيل.

ويوضح العشماوي، الذي تدخل معظم رواياته ضمن الكتب الأكثر مبيعا في المكتبات، أن الوكيل الأدبي يتم تعريفه في الدول المتقدمة ثقافيا بأنه كيان يقدم الكتاب وكتبهم إلى الناشرين والمنتجين السينمائيين أو منتجي الدراما التلفزيونية، ويساعد في البيع والتفاوض والحصول على تراجم إلى لغات أخرى بخلاف لغة العمل الأدبي، ما يغاير ما نشهده على الساحة تحت تصور الوكيل الأدبي.

ويكشف ذلك عن خلل كبير في مفهوم صناعة النشر ككل، فتحرير النص مثلا مهنة أخرى مغايرة لفكرة الوكيل الأدبي، وهذا الخلط يضر بصناعة النشر ويقدم مؤلفين مشوهين وكتابات ضعيفة ويدفعون في المقابل ما يطلب منهم من أجل الشهرة السريعة والوصول للقارئ، والنتيجة لن تكون في صالح القارئ أو الثقافة العربية عامة. ولم يجد العشماوي في أي من الدول العربية، باستثناء دولة الإمارات، فهما وتطبيقا حقيقيا لمهنة الوكيل الأدبي، مطالبا بقواعد تشريعية يتم بمقتضاها منح وكالات أدبية ترخيصا بمزاولة المهنة وفق المفهوم الغربي السائد في إنجلترا وفرنسا وأميركا.

يمتد دور الوكالة للتواصل مع شركات الإنتاج المختلفة لعرض الأعمال الأدبية، وتحديد صلاحية كل منها للدراما التلفزيونية أو السينمائية

ويخشى الروائي المصري إبراهيم أحمد عيسى، من تحكم رأس المال في درجة نجومية الكتاب، بعيدا عن مستواهم الفني، فبعض الكتاب المبتئدين قد يقومون بدفع أموال إلى وكالات أدبية مقابل نشر أعمالهم، رغم أن مهمة أي دار نشر إجازة العمل المراد نشره، ومراجعته لغويا وتحريريا ثم التسويق له.

ويقول، إن ذلك لا يصب في صالح الثقافة العامة، إنما يصب في صالح محدودي الموهبة ممن لديهم مقدرة مادية، مثلما هو الحال فيما يعرف بورش الكتابة التي تزايدت في الآونة الأخيرة.

ومازالت التجربة في بداياتها، ومن غير الموضوعي الحكم عليها مبكرا، ولذلك من الضروري الانتظار للحكم على جدواها من عدمه، فالمحك العملي هو الاختبار الذي يحدد الصواب أو الخطأ.

15