الولاء لطهران محرك حزب الله في تخريب الوضع السياسي اللبناني

الأربعاء 2014/12/10
حزب الله صناعة إيرانية بامتياز

تونس - تباينت الآراء حول حزب الله منذ ولادته عام 1985. كما تعددت الخلافات حول هوية هذا التنظيم ودوره. ومن هذا المنطلق، نجد أن بعض التحليلات وضعته في مرتبة تصل إلى «الحزب المقدس» الذي يتحدّ فيه السياسي بالديني والأيديولوجي، وهو ما أدى إلى إقرار داخل الدوائر الفكرية العربية بأن حزب الله ليس سوى دائرة طائفية مستعصية عن الاندماج في المجتمع اللبناني. وهذا ما أكده الباحث اللبناني صالح زهر الدين.

يذهب الباحث صالح زهر الدين في بداية بحثه حول حزب الله إلى التأكيد قبل كل شيء أن الحزب ليس ممثل الشيعة جميعا في لبنان، رغم المجهودات التي يقوم بها الحزب وتصدره للمشهد الطائفي الشيعي واحتكاره الحديث باسم الشيعة في لبنان. كما أن أيديولوجيته ومرجعيته الفكرية والسياسية ليست الوحيدة في الفضاء اللبناني، وإنما توجد حساسيات شيعية أخرى في لبنان تختلف عن الحزب وربما تتناقض معه.

وتعود التناقضات الرئيسية التي تعيشها حركة حزب الله الإسلامية السياسية أولا إلى طبيعة الحزب المؤسسة على “العقيدة الطائفية الشيعية” التي يتمايز من خلالها على باقي الطوائف المشكلة للبنان.

وهذا أول تناقض يفقد هذه الحركة انتماءها إلى الهوية اللبنانية الوطنية (أو القُطرية) نظرا إلى المدخل الذي استعمله الحزب للدخول إلى الساحة السياسية. فتأسيس حزب سياسي على أرضية عقائدية دينية تنزوي في طائفة معينة وهي الطائفة الشيعية، يعد من المسائل التي تتناقض مبدئيا مع الانتماء إلى “الجامع بين اللبنانيين”.

وقد أكد الباحث صالح زهر الدين في هذا السياق، أن “حزب الله منذ تأسيسه رسميا سنة 1985 لم يخف هويته الطائفية بل أعلنها بوضوح وقال إنها مرجعية شيعية إسلامية”.

وعن النتائج الأولى لهذا الإعلان المرجعي الطائفي، فإن سؤال الولاء “الشرعي” يطرح بشدة وفي المرتبة الأولى. لأنه من المعروف أنه غالبا ما تكون الأحزاب الطائفية لها ولاء خارج دائرتها الوطنية لتأتمر بأوامر خارجية، هي أوامر صادرة عن المركز الشرعي والفقهي الذي يقود تلك الطائفة. فقد أعلن حزب الله بشكل رسمي أن المرجعية الرسمية والشرعية بالنسبة إليه هي “ثورة الخميني في إيران التي حدثت سنة 1979”.
نعيم قاسم سبق أن شدد على التزام حزب الله بوضوح بولاية الفقيه والمرجعية العليا في طهران

ويثير الباحث صالح زهر الدين هذه القضية من خلال تصريحات عديدة لوجوه قيادية في حزب الله، حيث يورد ما قاله نائب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم عن “التزام الحزب بوضوح بولاية الفقيه والمرجعية العليا في طهران”، حيث قال: “انطلق حزب الله كحركة ثورية معادية للدولة اللبنانية، داعيا إلى قيام الدولة الإسلامية في لبنان، كأحد مظاهر الثورة الإسلامية في إيران”. لكن القيادي في حزب الله يعود أدراجه في هذا التصريح مستدركا القول، إن “حزب الله أصبح قوة لبنانية بعد مراجعات، مساهما في الحياة السياسية في لبنان، دون أن يخرج عن المرجعية العليا في طهران وهي ولاية الفقيه”.

ولكن تطور موقف حزب الله من ثورة الخميني في إيران لم يكن محض موقف ولد أثناء التأسيس الرسمي للحزب في ثمانينات القرن الماضي، بل إن للموقف جذور تعود إلى الخمسينات، وهو متعلق بالساحة السياسية في العراق في تلك الفترة، حيث كانت القيادات والنواتات الأولى لحزب الله تنتمي إلى المرجعية الشيعية في النجف عندما كانت حركة دينية دعوية. وقد كانت جذور حزب الله نجفية عراقية تطورت لتصبح ضمن حزب الدعوة الإسلامي الذي تأسس في العراق سنة 1959 على يد المرجعية الشيعية محسن الحكيم (يذكر أن حزب الدعوة هو الآن الحزب الحاكم في العراق والمعروف بعدائه الطائفي لباقي الطوائف العراقية وقد جاء مع الاحتلال الأميركي للعراق سنة 2003).

الأحزاب الطائفية غالبا ما يكون لها ولاء خارج دائرتها الوطنية لتأتمر بأوامر صادرة عن المركز الفقهي الذي يقود تلك الطائفة

وبالتالي، فإن المرجعية الأولى لحزب الله اللبناني كانت الحركة السياسية الشيعية في العراق في أواسط القرن العشرين. وفي كل الحالات فإن تأسيس هذا الحزب وولاءاته ليست لبنانية بل هي مجموعات تكونت في النجف وكربلاء وأيضا في “قم” الإيرانية لتجتمع في الثمانينات وتؤسس حزبا طائفيا شيعيا في لبنان يسعى إلى تمثيل الشيعة فيه واحتكار التحدث باسمهم (ليس حزب الله فقط، ولكن حركة أمل هي أيضا كانت تسعى إلى ذلك).

ويقول العديد من الباحثين، انطلاقا من هذه المعطيات التاريخية، إن تحويل حزب الله إلى مركز ثقله السياسي من العراق إلى إيران، ثم تأسيس الحزب في أواسط الثمانينات، إنما يكشف طبيعة الارتباط الحقيقي لهذا الحزب وهو ارتباط خارج الدائرة السياسية والسيادية اللبنانية، بل هو امتداد للهلال الشيعي ـ السياسي الذي خلقته طهران بعد ما يسمى بـ”الثورة الإسلامية” للوصول إلى نقاط جغرافية إستراتيجية تمكنها من لعب أوراقها السياسية في المنطقة العربية بشكل أكثر فعالية.

وعن أدبيات حزب الله، تقر كل وثائقه السياسية والفقهية والفكرية أن طبيعة الحكم في الدولة اللبنانية “تتناقض مع المبادئ الشرعية الدينية التي يؤمن بها الحزب”. فهو يعتبر أن رئاسة المسيحيين للدولة لا يمكن أن تتماشى مع طبيعة الحزب العقائدية الشيعية التي تجبر الجميع على أن يكون “ولي الأمر من المسلمين”. ولا يكفي فقط أن يكون من المسلمين بل من الطائفة الشيعية أيضا. ويعد هذا الإقرار الذي يستقر في القاع الفكري والعقدي لحزب الله من أهم المحركات السياسية للحزب والتي من خلالها يتخذ المواقف ويمارس العمل السياسي في لبنان وحتى خارجه.

13