الولادة الطبيعية تفزع المرأة المصرية

صدمة لم تكن متوقعة تعرض لها المجتمع الطبي في مصر، عندما انتهى المسح السكاني والصحي لعام 2015، وفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلى أن 52 بالمئة من نساء مصر يفضلن الإنجاب من خلال "شق البطون"، أو ما يعرف بالعملية القيصرية، ويرفضن الولادة الطبيعية، وسط تحذيرات طبية من مخاطر التوسع في انتشار هذه الثقافة لدى باقي السيدات.
الخميس 2015/10/01
الأمهات والأطباء في حاجة إلى ثقافة أفضلية الولادة الطبيعية

ارتفعت نسبة الولادة القيصرية في مصر بشكل مخيف خلال السنوات السبع الأخيرة، وتسعى منظمة الصحة العالمية الآن إلى إقناع جميع الدول بخفض النسبة إلى أقل من 15 بالمئة، باعتبار ذلك هو المعدل المقبول عالميا.

وفي هذا السياق قال الدكتور خيري عبدالدايم نقيب الأطباء المصريين لـ"العرب" إن النسبة تعد مرتفعة للغاية، وطالب بضرورة وضع ضوابط محددة للولادة من الجمعيات العلمية والصحية وأساتذة كليات الطب، بالتعاون مع وزارة الصحة.

وأشار إلى أهمية أن تلزم الوزارة الأطباء بتنفيذ هذه الضوابط، وفي حال المخالفة يتعرض المخالف للتأديب من جانب النقابة، مع نشر ثقافة أفضلية الولادة الطبيعية بين الأطباء والسيدات الحوامل، وتعريف الطرفين بأنها أفضل من الولادة القيصرية، وأن يكون "شق البطون" في أضيق الحدود، خاصة إذا كان هناك سبب طارئ عند الحامل لا يسمح لها بالولادة العادية، أو تكون مصابة بمرض يمنعها من الولادة في موعدها الطبيعي.

وتخطت مصر حاليا جميع الدول، من حيث نسبة الولادة القيصرية، بعد أن كانت البرازيل في المركز الأول عالميا بنسبة 50 بالمئة، لكن سرعان ما اتبعت مشروعا قوميا خصصت له خمسة مليارات دولار، لتغيير سلوك الأطباء وتثقيف الأمهات والآباء لتفضيل الولادة الطبيعية وتلافى العمليات القيصرية إلا عند الضرورة.

وتتذيل الدول الاسكندنافية قائمة الدول التي تحدث بها ولادة قيصرية بنسبة 10 بالمئة، لأن الممارسة الدارجة والمهنية بين الأطباء، كذلك ثقافة المجتمع، هي تفضيل الولادات الطبيعية، علاوة على أن الأطباء يتقاضون رواتب ثابتة ولا يستفيدون ماديا من العمليات الناجمة عن التمادي في القيصرية، بالحق والباطل، لكن في مصر يشتكي غالبية الأطباء من تدني الرواتب، وهو ما قد يكون باعثا قويا لإجراء ولادات قيصرية بمقابل مادي مرتفع.

تخطت مصر جميع الدول، من حيث نسبة الولادة القيصرية، بعد أن كانت البرازيل في المركز الأول عالميا بنسبة 50 بالمئة

وأرجعت الدكتورة فاطمة السيد استشارية التوليد، وعضو الجمعية المصرية للأمراض النسائية، انتشار الظاهرة إلى تخوف الكثير من الأطباء والأمهات من حدوث مضاعفات للأم والجنين أثناء الولادة الطبيعية، الأمر الذي ربما يتسبب في تشوه الجنين، ووقتها يخشى الطبيب من التعرض للمساءلة القانونية.

وفي أحيان كثيرة يتعرض لدفع غرامات مالية بموجب صدور أحكام قضائية، إضافة إلى ارتفاع العائد المادي الذي يتقاضاه الأطباء من الولادات القيصرية، وتصل أحيانا في بعض العيادات والمستشفيات الخاصة الكبرى إلى 30 ألف جنيه (3800 دولار).

وقالت الدكتورة فاطمة إن الحياة الحديثة والرفاهية التي منعت المرأة من القيام بالأعمال المنزلية، خفضت من كثرة حركتها، خاصة أن أعمال المنزل تعتبر بمثابة تمارين رياضية تسمح باتساع وتقوية حوض المرأة وتساعد على الولادة الطبيعية، لافتة إلى أن الأجيال الجديدة معظمها من النوع المرفه والذي اعتاد على الراحة.

وأشارت إلى أن المرأة أصبحت لا تتحمل أبسط الآلام، وتريد أن يتم تخديرها وتصر على الولادة قيصريا حتى لا تشعر بآلام الولادة، وخاصة الفتيات صغار السن، بسبب عدم اتساع المهبل، فضلا عن تفكيرهن في جمال أجسادهن.

الأمر المخيف في الولادات القيصرية، أن الفتاة التي تجري عملية القيصرية لأول مرة، تكون جميع الولادات اللاحقة قيصرية أيضا، ما يؤدي إلى زيادة كبيرة في الأعداد، إضافة إلى أن بعض الأطباء يمنحون الحرية للفتيات لاختيار طريقة الولادة، وأثبتت التجربة أن الغالبية العظمى منهن يخترن العمليات القيصرية لسهولتها.

أطباء يحذرون من التمادي في الولادات القيصرية، لأن هناك احتمالا كبيرا لإصابة الأم بفقدان الدم وزيادة الأنيميا

كل هذه الأفعال والأرقام المفزعة، دفعت وزارة الصحة المصرية أخيرا إلى تشكيل لجنة قومية للولادات القيصرية، لمراجعة ومناقشة ضوابط إجراء عمليات الولادة القيصرية التي يمكن تطبيقها في مصر، تكون ملزمة لجميع الأطباء والمستشفيات، وفقا للتوصيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، بعدم اللجوء إلى الولادات القيصرية إلا لضرورة طبية، لاسيما أن المنظمة وصفت الأمر بأنه "وباء".

وحذر أطباء كثيرون من التمادي في الولادات القيصرية، لأن هناك احتمالا كبيرا لإصابة الأم بفقدان الدم وزيادة الأنيميا، وحدوث التصاقات في البطن تؤثر على الولادات المستقبلية، وعدم استبعاد حدوث انفجار في الرحم بنسب مرتفعة، في أي حمل مستقبلي، علاوة على أن ارتفاع الولادات القيصرية يخفض نسبة الرضاعة الطبيعية، ما يعرض الطفل لأمراض الحساسية، وضعف المناعة، والإصابة بكثير من الأمراض.

وكشف المسح الصحي في مصر، أن هناك 5600 مولود يومي، وأكثر من 2800 ولادة قيصرية تحدث يوميا، ووفق عدد المواليد الذي زاد في مصر لأكثر من 2,7 مليون مولود سنويا، أي أن هناك 1,35 مليون ولادة قيصرية تحدث في مصر كل عام، وهي نسبة ليست هينة، منها ما يمكن أن يتعرض للإصابة ببعض الأمراض الخطيرة.

حسب ما يجري العمل به في معظم دول العالم، فإنه يتم تحليل الأسباب التي دفعت الأطباء لإجراء الولادة القيصرية، لبيان إذا كانت طبقا لاحتياج فعلي أم لا، لوضع ضوابط وإرشادات للحالات التي تحتاج لتلك العملية، لكن ذلك لا يحدث في مصر.

وأكدت أميرة فكري، وهي فتاة من القاهرة عمرها 26 عاما لـ”العرب”، أنها قاربت على إنجاب طفلها الأول، وتخشى آلام الولادة الطبيعية، برغم نصائح أسرتها من مخاطر القيصرية، لكنها لا تريد الإنجاب بطريقة طبيعية، لأنها تأخذ وقتا طويلا ومؤلما.

وقالت “أريد الانتهاء من الولادة في غضون دقائق دون ألم”، خاصة أن الطبيب المعالج أتاح لي حرية الاختيار، وأنا لم أتردد في تفضيل الولادة القيصرية، وسيحصل على مقابل مادي 7 آلاف جنيه (حوالي 950 دولارا).

21