الولايات المتحدة تتدخل في شؤون العراق!

السبت 2015/05/09

لقد تجاوز نفاق الأحزاب الشيعية الحاكمة جميع حدود القدرة على “بلعه”. ولست أنا ولا غيري من يُكذب خوفَها على وحدة العراق وسيادته وكرامة شعبه، ورفضَها تدخلَ أميركا في شؤونه الداخلية، بل التاريخ، بالوقائع والأحداث الموثّقة الثابتة، هو الذي يفعل ذلك.

صوّت نوابهم، وحدهم، بحماس منقطع النظير، وبعصبية وانفعال، 163 من 225 نائبا بعد خروج رفاقهم الأكراد والسنة من القاعة على قرار برلماني “يرفض قرار الكونغرس بالتعامل مع بعض مكونات الشعب العراقي بعيدا عن الحكومة الاتحادية، ويعتبره تدخلا سافرا في الشأن العراقي، وخرقا للقوانين والأعراف الدولية، ونقضا لالتزام الولايات المتحدة في اتفاقية الإطار الإستراتيجية بضمان وحدة العراق واستقلاله”.

والحقيقة أن سبب هذا الغضب غير مفهوم. فالكونغرس الأميركي لم يفعل شيئا سوى أنه خصص مساعدات بقيمة 715 مليون دولار من ميزانية البنتاغون لعام 2016 لدعم الجيش العراقي والقوات الأخرى المرتبطة بالحكومة العراقية في المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. ولكنه، فقط، ربط تنفيذ ذلك بشروط، منها أن “تعطي الحكومة العراقية للأقليات غير الشيعية دورا في قيادة البلاد، خلال ثلاثة أشهر بعد إقرار القانون، وأن تنهي دعمها للميليشيات”. وفي حالة عدم التزام الحكومة العراقية بذلك، فقط وليس قبل ذلك، “سوف يجري تجميد 75 بالمئة من تلك المساعدات، ويُرسل أكثر من 60 بالمئة منها مباشرة إلى الأكراد والسنة”.

فما الخطأ في ذلك؟ ولماذا هم غاضبون إذا كانوا صادقين في عزمهم على الوفاء بوعودهم للشعب العراقي، بأن تُصلح حكومة قائد “التغيير” حيدر العبادي، ما أفسدته حكومة قائد “التدمير” نوري المالكي، فتوفر العدالة وتنصف المظلوم وتُلجم الميليشيات؟

وفوق هذا وذاك فإن قرارات الكونغرس تفرضها المصالح العليا للولايات المتحدة في المنطقة، لا حبا بسواد عيون السنة والأكراد، ولا رغبة في مشاكسة أعضاء التحالف الوطني “الحليف” المزمن للأميركان والحاكم بأفضالهم ودعمهم من زمان، ولا سعيا إلى إغضاب السيد السيستاني، بأي حال.

وفي النهاية فكل إنسان حر بماله، يصرفه كما يشاء، وفق ما يراه مناسبا ونافعا، وليس ما يراه المنتفعون به، أو المتضررون. شيء آخر. هل هانت “العِشرة” على ثلاثة أرباع الزعماء العراقيين الذين لولا “ماما أميركا” لظلوا إلى الآن يتسكعون في مقاهي لندن ودمشق وطهران، يتقوتون بفُتات المساعدات الإنسانية الذي تتصدق به عليهم دول اللجوء؟

وشيء آخر أيضا. كثيرون ممن وقّع على بيان البرلمان العراقي الغاضب كانوا، وربما ما زالوا، يتلقون مكافآت ورواتب وإعانات من الأميركان، مباشرة أو مداورة، لتمويل جرائد أو إذاعات وفضائيات، ولشراء المعجبين والمؤيدين والناخبين. أنا شخصيا أعرف بعضهم. فعلى من يضحكون؟

أصل النفاق في بيان البرلمان العراقي عائدٌ إلى أيام المعارضة العراقية السابقة، بالتحديد إلى عام 1992، يوم انعقد مؤتمر فيينا الذي تمخض عن المؤتمر الوطني الموحد، والذي كان مشروعا أميركيا من ألفه إلى يائه. وما عدا الحزبين الكرديين فكل قادته الأقوياء كانوا من أعضاء الفريق الإيراني العراقي. وهم، إلى اليوم، ومن ثلاثة عشرة سنة، أصحاب فخامة وسيادة. رؤساء ووزراء ونواب وسفراء، ومن ذوي الملايين وربما المليارات بكرم أميركا وبركاتها. في عام 2002 جاء مؤتمر لندن الذي عيّنتهم فيه أميركا، علنا، حلفاء كانت في حاجة ملحة إليهم غطاءً عراقيا لغزوها المنتظر للعراق، ووكلاء عنها لوراثة صدام حسين.

وكان المجلس الأعلى للثورة الإسلامية والكثير من أشقائه أعضاء الفريق الإيراني العراقي يتقاتلون فيما بينهم على الحصص الممكنة من الكعكة الأميركية المغرية، وهم متأكدون من عدم جدية إدارة جورج بوش الأب، وإدارة كلينتون، في دخول حرب شاملة لإسقاط نظام صدام، وأنها لا تريد من المعارضة العراقية أكثر من إزعاج صدام حسين وإضعافه، وجمع المعلومات عن قواه العسكرية والاقتصادية لحسابها، رغم أن كثيرين منهم كانوا يزعمون، يومها، بأنهم لا يعملون مع الأميركان عمالة ولا تبعية، بل من أجل تحرير العراق من الديكتاتورية، فقط لا غير، وكانوا يرفعون شعار “لا لضرب العراق، ولا لغزو العراق، نعم لإسقاط النظام”.

إن أميركا، بقرار الكونغرس الأخير، “تنقض التزاماتها بموجب اتفاقية الإطار الإستراتيجية بضمان وحدة العراق واستقلاله”، و”تتدخل تدخلا سافرا في الشأن العراقي، وتخرق القوانين والأعراف الدولية”، ولكنها لم تكن تتدخل في الشؤون الداخلية للعراق حين قسَّمت العراق، عمليا وواقعيا، وبرضاهم وتبريكاتهم، في مؤتمر فيينا 1992، وفي المؤتمرات التي جاءت بعده، نيويورك في 1999، ولندن في 2002، إلى ثلاث جمهوريات، شيعية صاحبة سلطة كاسحة في الجزء العربي من الوطن، وكردية شبه مستقلة مسلحة في الشمال، وجمهورية سنية “فضائية” تابعة لقادة نظام المحاصصة، من أيام مؤتمر فيينا، إلى مجلس الحكم سيئ الصيت، وإلى جمهورية حزب الدعوة وأشقائه في التحالف الوطني العتيد.

ولم تكن أميركا تتدخل في شؤون العراق الداخلية حين كانت تغدق الملايين من الدولارات، مباشرة وعلنا، رواتب ومكافآت ونفقات تنقلات وإقامة وصحافة وإذاعات وفضائيات لرئيس المجلس وأعضائه وأشقائه المجاهدين. ولم تكن تتدخل في الشؤون العراقية حين كانت تنسق معهم، باستمرار، وتتشاور، قبل سقوط النظام وبعده، لاختيار الأشخاص الذين يستحقون الرضى ليكونوا على رأس الوليمة.

وحين حصل الغزو ودخلوا العراق مع دبابات الاحتلال الأميركي لم ينتفض السيد السيستاني، غضبا، ولا المجلس الأعلى، ولا حزب الدعوة، ولا بدر، ولا دولة الولي الفقيه، على هذا التدخل الأميركي الفاضح في الشؤون العراقية الداخلية، كما يفعلون اليوم.

وحين كان بول بريمر يرسل المراسيل، ذهابا وإيابا، إلى المرجعية، للتشاور وأخذ النصيحة في الدستور والقوانين وتعيينات الرؤساء والوزراء والسفراء، كان مجاهدون معمّمون يقبّلون وجنتيه ويأخذونه بالأحضان الساخنة، ويولمون له ولائم باذخة، علنا وعلى شاشات التلفزيون، بلا خوف ولا حياء.

أميركا تتدخل في شؤون العراق الداخلية وتنتهك سيادته وكرامة شعبه، أما إيران العزيزة فاحتلالها “الأخوي” يحفظ سيادة الوطن، ويحمي كرامة شعبه المسكين. فإن لم يكن هذا نفاقا فكيف يكون النفاق؟

كاتب عراقي

9