الولايات المتحدة تدعم معارضة معتدلة لا يعرف أحد ماهيتها

الأحد 2014/08/03
المعارضة السورية تخشى أن يكون هناك اتفاق من تحت الطاولة بين الأميركيين ونظام الأسد مما سيضاعف من حجم المأساة

باريس – يرى بعض المسؤولين في البيت الأبيض أن تحسّن العلاقة مع النظام السوري أمر ممكن وربما ضروري في ظل الفوضى التي تعاني منها سوريا خصوصا والشرق الأوسط عموما، وهو أمر أقلق المعارضة السورية وبعث الأمل بين مؤيدي النظام السوري.

لا شك أن الأصوات التي أبرزتها وسائل الإعلام الأميركية هي أصوات محدودة ولا تُشكّل قوة ثقل في السياسة الأميركية، إلا أن الخوف من (باطنية) السياسة الأميركية في تعاملها مع الأزمة السورية أثار مخاوف وردود أفعال.

أولى ردود الأفعال كانت من الإدارة الأميركية نفسها، فمن جهته أكّد بنجامين رودز، مساعد الرئيس الأميركي، أن أوباما لم يغير موقفه ولا يزال يعتبر تنحي الأسد شرطا لأي انفراج في سوريا. وقال رودز إن المطلب الأميركي بتنحي الأسد لم يتغير، ورأى أن وجود تنظيم داعش في سوريا سببه فشل قدرة الأسد على الحكم وفقدانه للشرعية. وشدد على أن الحل في دعم المعارضة السورية المعتدلة التي ستقف مع واشنطن.

منذر آقبيق، مسؤول شؤون الرئاسة في ائتلاف المعارضة، يرى أن تصريحات رودز ليست فيها مواربة، وأنها تصف الموقف الحقيقي للإدارة الأميركية، وقال لـ”العرب”: “حسب اجتماعاتنا مع الأميركيين على أعلى مستوى، فإن الإدارة الأميركية قد وصلت إلى نقطة اللاعودة بالنسبة إلى نظام الأسد منذ فترة طويلة؛ وهي ترى أن الأسد مغناطيس الإرهاب وأنه السبب في تزايد المتطرفين وتقويتهم، وهذا موقف أميركي ثابت”.

لكن الولايات المتحدة تريد دعم المعارضة المعتدلة التي لا يعرف أحد حتى الآن ماهيتها، ولا حتى الولايات المتحدة، ولابد أن تكون معارضة قوية، فالمطلوب منها الوقوف بوجه النظام والجماعات المتطرفة بنفس الوقت، وربما يكون طلب الرئيس الأميركي من الكونغرس مبلغ نصف مليار دولار لدعمها هو إشارة البداية لتشكيلها إن لم تكن موجودة فعلا.

المعارضة السورية تخشى أن يكون هناك اتفاق من تحت الطاولة بين الأميركيين ونظام الأسد مما سيضاعف من حجم المأساة

المعارضة السورية المقيمة في واشنطن، مرح البقاعي، رئيسة الحزب الجمهوري السوري، تخشى أن يكون هناك اتّفاق من تحت الطاولة بين الأميركيين ونظام الأسد، وقالت لـ”العرب”: “لم تقطع الولايات المتحدة بشكل نهائي مع النظام السوري خلال الثورة، ولطالما حافظت على شعرة معاوية معه، وحتى عندما حرّكت بوارجها لإسقاطه بيد بعد استخدامه للأسلحة الكيماوية، لوّحت له بيد أخرى بالعفو وعدم ضربه في حال سلّم ترسانته الكيميائية وتخلّص منها، ونخشى أن تكون قد تمّت الصفقة مقابل بقاء النظام”.

ضعف معسكر الأصدقاء

صحيح أن هناك بعض الأصوات الأميركية لا ترى مشكلة في دور يلعبه الأسد أو دور ما تلعبه إيران في المرحلة الانتقالية، لكن هذا التوجّه يلقى معارضة كبيرة من غالبية المسؤولين الأميركيين وصنّاع القرار ومنهم السيناتور جون ماكين الذي يرى أن الأسد لن يرحل من دون تدخل عسكري مباشر أو تسليح نوعي مباشر، ويشجّع على ذلك، وهو المطلب الأهم للمعارضة السورية، السياسية منها والعسكرية.

من جهته يرى خطار أبو دياب، الأكاديمي والباحث في شؤون الشرق الأوسط، أن الولايات المتحدة ليست مستعجلة على أي اختبار قوة مع روسيا، وليس بوارد إسقاط الأسد بشكل سريع، وحذّر من أن تكون حرب تقسيم الشرق الأوسط قد بدأت، وقال إن الخرائط “ستُرسم بالدم” وستكون حربا مهشّمة طويلة.

وقال خطار أبو دياب، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعات الفرنسية، لـ”العرب”: “المحنة السورية ليست نتاج تعنت النظام وممارساته الإجرامية فقط، ولا هي نتيجة فشل المعارضة الذريع في تحقيق تطلعات الشعب السوري، أو نتيجة الانحياز الروسي المطلق والانخراط الإيراني المباشر، بل هي أيضا نتاج ضعف ما سُمي بمعسكر الأصدقاء وضعف شخصية الرئيس أوباما ونهجه”.

حرب التقسيم ستأخذ وقتا طويلا وسترسم الخرائط بالدم وستكون حربا مهشمة

وتابع في وصف الموقف الأميركي تجاه الأزمة السورية “صحيح أن الرئيس أوباما طالب شفهيا في آب/ أغسطس 2011 بإنهاء حكم الأسد، لكنه عمليا لم يضع أي إمكانية أو أي وسيلة فعلية لتنفيذ هذا الهدف، بمعنى كان هناك نوع من الالتباس والإغراق بالنزيف السوري وبدا ذلك أوضح مع سقوط بابا عمرو في شباط/ فبراير 2012 والرفض المطلق بتزويد المعارضة السورية بأي أسلحة نوعية، وهذا يدل على أن واشنطن ليست مستعجلة أبدا لا على أي اختبار قوة مع الروس ولا على إسقاط النظام السوري، وهنا تبرز مشكلة أخرى وهي أن من أدار الصراع السوري من القوى الإقليمية لم يستوعب بالعمق هذا التلاعب الأميركي وهذه الرقصة الأميركية على خطوط النار فوصلت سوريا إلى ما هي عليه الآن”.

وأعرب الخبير والباحث في الجيوبوليتيك عن قناعته بوجود تنسيق أميركي ـ إيراني تجاه ما يجري في سوريا والعراق والمنطقة عموما، وقال “واشنطن مهتمة بأمن إسرائيل، والرئيس أوباما يريد شرقا أوسط جديدا قائما على ركيزتين، إيرانية وإسرائيلية، وكل همّه أن يعقد صفقة تاريخية مع إيران ليقول هذا الحائز على نوبل للسلام إنه حقق شيئاً للسلام مع أنه أطاح بالسلام العالمي وحوّل جزءاً من العالم إلى فوضى وخراب”.

وتابع “الأوضاع في سوريا أصبحت مرتبطة الآن بما يجري في العراق ولبنان، لقد سقطت حدود سايكس بيكو وسقطت الحدود الفعلية، والتنظيمات المتطرفة هناك ليست نواة خلافة إسلامية وإنما هي تركيبات استخباراتية مهمتها تدمير العالم الإسلامي بحرب سنّية ـ شيعية، تدمير سيكون وسيتم بكل تطرف على أرض العرب وبدمائهم وعلى حساب مستقبلهم، ومن هنا نؤكد على وجود مسؤوليات يجب أن يتحملها الجميع وعلى رأسهم رأس الحربة واشنطن”.

وحذّر من حرب مدمّرة في الشرق الأوسط، وقال “يجب منع شبح هذه الحرب، وما زال هناك إمكانية إن كان هناك نيّة دولية جدّية لضرب النظام وداعش معا، ويجب تجميع العناصر الجيدة المتبقية داخل النظام مع العناصر الجيدة من المعارضة والمجتمع المدني ويُفرض حل ليس بأوهام مؤتمر جنيف وإنما بقرار مُلزم من مجلس الأمن يؤمّن مصالح القوى العظمى والمصالح السورية، الوضع صعب لكن حرب التقسيم أصعب وستأخذ وقتا طويلا وستُرسم الخرائط بالدم وستكون حربا مهشّمة، ومن الأفضل التوصل لحل سياسي لا أن يستمر نزيف الدم حتى آخر قطرة في هذا المشرق الحزين”.

الشعب السوري ليس وحده الخاسر من عدم صرامة السياسة الأميركية بل إن الخسارة ستطال الولايات المتحدة

الدعم الإيراني

لم يعد بمقدور المعارضة السورية أن تتحرك دون تنسيق مع الأميركيين، فتدخّل روسيا وإيران بشكل مباشر إلى جانب النظام جعل إسقاطه أكبر من قدرة هذه المعارضة، وفي هذا المعنى يقول المعارض آقبيق “لقد كان بإمكان الجيش السوري الحر أن ينتصر على النظام ولكن الدعم الإيراني الهائل بالمال والسلاح والمقاتلين إضافة إلى تدخّل روسيا وتعطيلها قرارات مجلس الأمن بأكثر من فيتو، شكّل رافعة للنظام مكنته من الاستمرار حتى الآن، وأصبح النظام يستخدم كل قدرته النارية ويتّبع سياسة الأرض المحروقة، وهذا دليل ضعف وليس قوة، والمعارضة المسلحة تخوض حرباً على جبهتين، النظام والميلشيات الشيعية من جهة ومتطرفو تنظيم داعش من جهة أخرى، وهذا صعب للغاية ويتطلب موارد هائلة غير متوفرة”.

ترى المعارضة البقاعي أن الشعب السوري ليس وحده الخاسر من عدم صرامة السياسة الأميركية بل إن الخسارة ستطال الولايات المتحدة أيضا، وقالت “لقد حاربت واشنطن الإرهاب في أفغانستان والعراق واليمن والآن في سوريا، والنتيجة كانت ببساطة أن تمّ استيلاد (داعش) من قبل النظام السوري ليقول للولايات المتحدة إنها ربحت جولة الكيميائي ولكنها لن تربح جولة مكافحة الإرهاب، وليوصل رسالة بأن استمراره بالحكم أفضل بكثير من استيلاء المتطرفين على السلطة”.

ورغم تأكيد الولايات المتحدة أنها حسمت موقفها بالنسبة إلى النظام السوري، إلا أنها مازالت تجلس في مقاعد المتفرجين، تراقب بشبه صمت وبهدوء، يصفه بعض المتفائلين بأنه هدوء ما قبل العاصفة التي ستكون ثقيلة وعنيفة على النظام السوري، إن لم تقم بالتفاف مفاجئ على موقفها المحسوم هذا.

5