الولايات المتحدة تراهن على خنق الصين بدعم خصومها

يعود بحر الصين الجنوبي إلى مركز الاهتمام الدولي بعد مرور حاملة صواريخ أميركية على بعد 12 ميلا بحريا من شواطئ الصين وتحليق طائرات فوق المياه المتنازع عليها. ورغم المحادثات التي دارت بين واشنطن وبكين في منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في الفلبين، إلا أن الولايات المتحدة الأميركية لا تريد تفويت موعد مؤتمر المناخ في باريس الذي سيعقد نهاية الشهر الجاري لتعيد طرح هذا الملف الذي أصبح ضمن المحددات الكبرى لمستقبل العلاقات بين البلدين.
الجمعة 2015/11/20
الفلبين إحدى أبرز الدول التي تتلقى دعما أميركيا في سياق ضغوطها على الصين

بكين - يشكل بحر الصين الجنوبي نقطة الخلاف اليوم بين الولايات المتحدة التي تبحث على موطئ قدم لها في هذه المنطقة، مستعينة ببعض الدول الطامعة هي الأخرى بالسيطرة على جزء من الجزر المتنازع عليها، وبين الصين التي تبحث عن مزيد تعزيز توسعها في هذا المجال البحري الهام.

ورغم تتالي دعوات بكين إلى عدم التطرق إلى الملفات السياسية أبدى الرئيس الأميركي باراك أوباما تفاؤله بفرص نجاح مؤتمر باريس المقبل حول المناخ، وذلك على هامش قمة دول آسيا والمحيط الهادئ حيث دعا إلى “خطوات جريئة” لتهدئة التوتر في بحر الصين الجنوبي.

وجاء كلامه قبيل اجتماع قادة من 21 بلدا في القمة السنوية لمنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك). وتشكل هذه الدول أكثر من 57 في المئة من الاقتصاد العالمي و40 في المئة من سكان العالم. والقمة مخصصة لبحث المسائل المتعلقة بالتبادل التجاري الحر في المنطقة.

وأضاف الرئيس الأميركي “إذا استطعنا التوصل إلى اتفاق في باريس، فسيخلق هذا فرص عمل وآفاقا جديدة. علينا التخلي عن الفكرة التي تقول إن القيام بشيء من أجل المناخ سيجعل النمو يتباطأ”.

وكان بناء الصين لثلاثة مطارات ومنشآت أخرى على بعض الجزر الصناعية في أرخبيل سبراتلي، قد أثار قلق دول المنطقة وأثار قلق واشنطن من أن الصين توسع نفوذها العسكري.

ولم تفوت الولايات المتحدة الأميركية انعقاد المنتدى الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ لتجدد دعوتها إلى إنهاء أنشطة الاستصلاح و“العسكرة ” في بحر الصين الجنوبي، في إشارة منها إلى التحركات الأخيرة التي أقدمت عليها الصين في المنطقة والتي لقيت معارضة أميركية وصلت حد نشر سفن حربية وتحليق طائرة على مسافة قريبة من منطقة بحر الصين الجنوبي المتنازع عليها.

واشنطن تعتبر أن لها حق التدخل في منطقة بحر الصين الجنوبي مع أنه لا حدود لها ولا أرض ولا مياه فيها
وقال الرئيس الأميركي “لقد اتفقنا على الحاجة لاتخاذ خطوات جريئة لتهدئة التوترات، بما في ذلك التعهد بوقف المزيد من عمليات الاستصلاح والتشييد الجديدة والعسكرة في المناطق المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي”.

في الأثناء أعربت الصين عن رغبتها في أن تتركز مباحثات قمة "أبيك" على القضايا الاقتصادية، محاولة تجنب التطرق إلى قضية بحر الصين الجنوبي. حيث قال الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال منتدى للرؤساء التنفيذيين للشركات، “إن قمة أبيك ينبغي أن تكون منتدى لتحقيق التضافر بين الاقتصاديات الأعضاء في أبيك. وينبغي أن نركز على التنمية دون أن ندخر أي جهد لتعزيز بيئة من السلام تؤدى إلى التنمية وألا نسمح أبدا لأي شيء يعرقل عملية التنمية في آسيا والمحيط الهادئ”. دون أن يشير بشكل مباشر إلى نزاعات بحر الصين الجنوبي.

وهو ما لم يكترث له أوباما الذي قام بتحديد النهج الذي سارت عليه المناقشات بإعلانه عن مساعدة عسكرية إضافية لدول جنوب شرق آسيا وبتناوله لمسألة حرية الملاحة في المياه المتنازع عليها.

وتطالب الصين بالسيادة على معظم بحر الصين الجنوبي الذي تمر عبره تجارة بحرية يبلغ حجمها خمسة تريليونات دولار سنويا، وتطالب بروناي وماليزيا والفلبين وفيتنام وتايوان أيضا بالسيادة على مناطق بالبحر، الذي يعتقد أنه يحتوي على مخزونات كبيرة من النفط والغاز. لكن الولايات المتحدة تطالب بشكل روتيني كل الدول التي تتنازع على السيادة في المنطقة بوقف عمليات البناء في جزر سبراتلي، كما أنها تتهم الصين بتنفيذ عمليات على مستوى يفوق بكثير أي دولة أخرى.

وتعتبر هذه المنطقة التي تضم ممرات دولية مهمة كممر “سوندا” الذي يصل جنوب شرق آسيا بأستراليا وممر “لومبوك” الذي يربط أندونيسيا بالمحيط الهندي، وممر “ملقة” الأكثر أهمية ويربط المحيط الهادئ بالهندي ويمتد لمسافة 800 كم بين شبه جزيرة ماليزيا وجزيرة سومطرة الأندونيسية وتمر منه حوالي 40 بالمئة من البضائع العالمية و50 بالمئة من تجارة النفط والغاز العالمية، وهو مهم بالنسبة للصين والهند لعبور البضائع شرقا وغربا. فهذا المضيق ذو أهمية اقتصادية واستراتيجية.

دخول المدمرة (يو إس إس لاسن) الأميركية المياه الإقليمية الصينية استفزاز خطير موجه ضد بكين

استفزاز أميركي

وتعتبر أميركا أن لها حق التدخل في منطقة بحر الصين الجنوبي مع أنه لا حدود لها ولا أرض ولا مياه فيها، ولكن طمعا منها في تعزيز سيادتها الدولية وتأمين مصالحها في المنطقة ومنع الصين من السيطرة على هذه المنطقة فتقوم بمنافستها فيها.

قامت الصين مؤخرا، ببناء جزر صناعية في مناطق من البحر قريبة من الفلبين ما دفع بالولايات المتحدة إلى إرسال مدمرة وقاذفات “بي-52” إلى المنطقة. كما دفع قرار الصين استصلاح وبناء أحياء مرجانية وغيرها من المنشآت مؤخرا، بالبحرية الأميركية إلى إرسال المدمرة “يو إس إس لاسين” على مسافة 12 ميلا بحريا من واحدة على الأقل من الحزر الاصطناعية في سلسلة جزر سبراتلي. كما أعلنت بكين عن نيتها نشر منظومة للدفاع الجوي في تلك المنطقة، إذ ستمثل مثل هذه الخطوة ترسيخا نهائيا للسيطرة الصينية على المنطقة.

وكان مرور المدمرة الأميركية بالقرب من الجزر المتنازع عليها خطوة متعمدة، إذ سبق لمسؤولين في البنتاغون أن تحدثوا عن نية واشنطن إرسال سفينة حربية إلى محيط الجزر الاصطناعية التي شيدتها الصين قرب جزر سبراتلي من أجل تأكيد سيادتها على المنطقة.

وكان تشجان يسوي نائب وزير الخارجية الصيني قد استدعى في 27 أكتوبر السفير الأميركي لدى بكين ماكس بوكوس وقدم له احتجاجا شديد اللهجة على دخول المدمرة (يو إس إس لاسن) الأميركية المياه الإقليمية الصينية “بطريقة غير مشروعة”. ووصفت الخارجية هذا الانتهاك لمياهها الإقليمية بأنه “استفزاز خطير موجه ضد الصين”.

وسبق أن قامت مقاتلات صينية باعتراض طائرات استطلاع أميركية في بحر الصين الجنوبي أكثر من مرة، ما دفع واشنطن إلى وصف مثل هذه الحوادث بأنها “استفزازات”. كما تصر واشنطن على أن الموقف الصيني من قضية المناطق المتنازع عليها، يزيد من خطر نشوب نزاع مسلح ويهدد الأمن في منطقة آسيا والمحيط الهادئ برمته. ومنذ الشهر الماضي ، قام الجيش الأميركي بالإبحار مرتين على نحو بارز في المياه المتنازع عليها، على أساس تأكيد مبدأ حرية الملاحة.

وفيما تواصل الولايات المتحدة تحركاتها في المنطقة يذهب المراقبون إلى القول إن هذه العمليات تدخل في سياق اختبار مطالب الصين الإقليمية في هذا الطريق البحري المهم، ومحاولة الضغط عليها للتنازل عن طموحاتها العسكرية في هذا المجال الحيوي.

بكين تعلن عن نيتها نشر منظومة للدفاع الجوي وستمثل هذه الخطوة ترسيخا نهائيا للسيطرة الصينية على المنطقة

دعم أميركي لدول الجوار الصيني

في إطار المزيد من الضغط على غريمها الصيني تقدم الولايات المتحدة الأميركية دعما ماليا وعسكريا لدول جنوب شرق آسيا المعارضة لفكرة استيلاء الصين على منطقة بحر الصين الجنوبي. حيث عرض باراك أوباما على الفلبين تزويدها بسفينة حربية في إطار صفقة مساعدات بقيمة 250 مليون دولار لحلفائه في جنوب شرق آسيا القلقين من مساعي الصين للسيطرة على بحر الصين الجنوبي. كما ستحصل على مساعدة قياسية قيمتها 79 مليون دولار لتعزيز أمن النقل البحري خلال هذه السنة المالية، وهو أكبر مبلغ مساعدات تتلقاه أي دولة جنوب شرق آسيوية. وستحصل فيتنام، عدوة واشنطن السابقة، والتي تنتقد الصين بشدة على 40,1 مليون دولار كمساعدات خلال السنة المالية الحالية والمقبلة، طبقا لبيان أصدره البيت الأبيض. أما أندونيسيا التي لا تدعي أحقيتها في بحر الصين الجنوبي، والتي طلبت من بكين توضيح وضعها في ذلك البحر، فستحصل على نحو 20 مليون دولار لمساعدتها في “حماية مناطقها البحرية”.

وقدم أوباما ذلك العرض أثناء تواجده على سفينة تابعة لقوات الحربية الفلبينية بعد قليل من وصوله إلى مانيلا للمشاركة في قمة قادة آسيا والمحيط الهادئ التي يشارك فيها كذلك نظيره الصيني شي جين بينغ.

وكانت الولايات المتحدة قد سلمت قبل ذلك البحرية الفلبينية زورقين من درجة هاميلتون “جريجوريو دل بيلار” و“بي.آر.بي رامون ألكاراز”، وهما الآن السفينتان الحربيتان الرئيسيتان اللتان تقومان بدوريات في مياه الفلبين.

ويهدف هذا العرض إلى طمأنة حلفاء واشنطن بالتزامها بالحفاظ على الأمن في مياه المنطقة، في أعقاب قيام الصين ببناء جزيرة اصطناعية في مناطق من بحر الصين الجنوبي.

6