الولايات المتحدة تضبط توازن العالم على إيقاع مصالحها

الأربعاء 2015/04/22
سياسة الصعود على أنقاض الدول المنهارة لم تعد تجد نفعا لحماية أميركا

واشنطن - أضحى الدور الذي تلعبه واشنطن، يتخذ طابعا إمبراطوريا، رغم عدم إعلان الأميركيين أنفسهم عن ذلك. ولأنها تمسك بخيوط اللعبة اقتصاديا وسياسيا إلى جانب احتكارها لورقة التدخل العسكري، لم يعد بوسع واشنطن، وفق دراسة صادرة عن مركز ستراتفور للدراسات الاستراتيجية، أن تفكر في مصالحها من منظور ضيق، وأن تتبع سياسات متلكئة وأن تنكر أهمية دورها في إعادة التوازن للنظام العالمي وحل الأزمات العالقة خاصة في الشرق الأوسط، لأنّ في إعادة ذاك التوازن عودة لتوازنها الاستراتيجي.

تحولت الولايات المتحدة إلى إمبراطورية طبيعية سنة 1945، كنتيجة ثانوية لأحداث أخرى، أهمها الحرب العالمية الثانية، وقد جعلتها ظروف نشأتها تلك أكثر قوة، كما أنّ ديناميكية الحرب العالمية الثانية أدّت إلى تهاوي شبه الجزيرة الأوروبية، مما فتح الباب أمام التمدد الأميركي، وبالتالي وسعت واشنطن من دائرة نفوذها.

وعلى الرغم من أنّ الحرب العالمية الأولى التي تسببت في تحطّم اليابان وأوروبا الغربية، كانت قد حقّقت للولايات المتحدة مكاسب اقتصادية ضئيلة للغاية من خلال سيطرتها على هذه الدول، إلاّ أن الحرب العالمية الثانية هي التي زادت من نمو التمدّد الإمبراطوري، حيث خرجت منها الولايات المتحدة دون خسائر كبيرة، بل وعلى العكس من ذلك كانت واحدة من بين الدول القليلة التي استفادت من الحرب.

وعلى خلاف ما حصل بعد الحرب العالمية الأولى، لم يفوت الأميركيون الفرصة بعد الحرب الثانية التي انتهت بشكل مختلف، حيث وقع تدمير الاتحاد السوفييتي (رغم أنه بقي محافظا على جوانب عديدة من قوته وتواصلت هيمنته على الشرق الذي تغيب عنه الولايات المتحدة)، خاصة أنهم كانوا يخشون أن يسيطر السوفييت على أوروبا.

إمبراطورية غير معلنة

يقوم مبدأ التنظيم في الاستراتيجية الأميركية على فكرة الاحتواء. وأمام عدم قدرتها على غزو الاتحاد السوفييتي، تركزت الاستراتيجية الأميركية على تقييده. حيث امتد التأثير الأميركي عبر القارة الأوروبية وصولا إلى إيران، في حين تمثّلت الاستراتيجية السوفييتية في السير حذو نظام الاحتواء الأميركي عبر دعم حركات التمرد والحركات الحليفة القريبة جدا من خط الولايات المتحدة. وفي الوقت الذي شهدت فيه الإمبراطوريات الأوروبية التقليدية تهاويا وتمزقا، بحث الاتحاد السوفييتي على إنشاء تحالف هيكلي مع بقايا تلك الإمبراطوريات، إلاّ أنّ الولايات المتحدة تفطنت لذلك وعملت على التصدي له. وفي فترات لاحقة كانت المزية الأهم للتّحالف مع السوفييت، خاصة بالنسبة لحركات التمرّد، تتمثل في تزويدها السخي بالأسلحة. أمّا المكسب من الانحياز إلى الولايات المتحدة فقد كان يتمثّل في الانضمام إلى منطقة التجارة الحيوية والنفاذ إلى رأس المال الاستثماري والتكنولوجيا.

الظرف والتاريخ والمشهد الجيوسياسي المتصارع عوامل تخلق مع بعضها البعض كيانا ونفوذا أميركيا كبيران

وقد استفادت بعض الدول، مثل كوريا الجنوبية، بشكل استثنائي من علاقتها مع الأميركيين، غير أنّ زعماء في دول مثل نيكاراغوا، اعتبروا أن المكاسب التي يحققونها من الدعم السياسي والعسكري السوفييتي تفوق ما يمكن أن يحققوه من التجارة مع الولايات المتحدة.

وكانت الولايات المتحدة، وفق الدراسة، تمضي لتصبح أكبر قوة اقتصادية في العالم، من خلال سيطرتها الكاملة على البحر والقواعد في جميع أنحاء العالم، وإنشاء تجارة حيوية وتركيز نظام استثمار استفادت منه البلدان التي كانت حاسمة استراتيجيا للولايات المتحدة. وبذلك أضحت تتصرف كإمبراطورية، في وقت مبكّر من الحرب الباردة، حتى لو لم تكن واعية بذلك.

وعلى الرغم من أنّ الإمبراطورية الأميركية قد بنيت جزئيا على العلاقات العسكرية، إلاّ أنها كانت بالأساس قائمة إلى حدّ كبير على العلاقات الاقتصادية. وفي البداية، كانت هذه العلاقات الاقتصادية طفيفة إلى حدّ ما بالنسبة للمصالح الأميركية. لكن بما أنّ النظام نضج، تصاعدت قيمة الاستثمارات تزامنا مع أهمية الصادرات والواردات وأسواق الشغل.

وقد تصاعدت القيمة الاقتصادية للولايات المتحدة باعتبارها إمبراطورية ناضجة، خاصّة عندما لم تكره الآخرين؛ فالإكراه ثمنه باهظ وهو يقوض أهمية أيّ إمبراطورية. وكذلك المستعمرة المثالية هي تلك التي لا تشعر على الإطلاق بأنّها مستعمرة، بل ترى أنها تستفيد من العلاقات الاقتصادية مع كل من القوى المهيمنة. كما أنّ العلاقات العسكرية تصبح قائمة حينها إمّا على مبدأ الاعتماد المتبادل، أو خلافا لذلك، بالاعتماد على دولة ضعيفة أشبه بحريف لدى القوة الإمبريالية.

وبهذه الطريقة انزلقت الولايات المتحدة لتصبح إمبراطورية، وقد أثرت في ذلك التحوّل ودفعته أربعة عوامل هي كالآتي:

* أولا، أنّ الولايات المتحدة كانت ثرية وقوية بقدر كبير.

* ثانيا، أنها واجهت خصما قادرا على تحديها على الصعيد العالمي في عدد كبير من البلدان.

*ثالثا، أنّها استخدمت المزايا الاقتصادية لاستمالة بعض البلدان سياسيا وعسكريا.

* رابعا، أنّ تلك الدول أصبحت ذات أهمية كبرى في مختلف قطاعات الاقتصاد الأميركي.

واشنطن تتفق مع حلفائها في المنطقة على نقاط محددة وأولها محاربة المتشددين

سياسة إعلاء المصالح الضيقة

الثابت أنّه لم يعد بوسع أيّ إمبراطورية أن تتحمل الحكم المباشر لـ”المستعمرات”، وهنا يكمن تطرق دراسة مركز ستراتفور للدراسات الإستراتيجية إلى مثالين مختلفين من حيث الآليات والنتائج؛ أولهما محاولة النازيين حكم بولندا بشكل مباشر والسيطرة على أرض تابعة للسوفييت، وثانيهما محاولة البريطانيين جعل الهند مصدرا لثروتهم عن طريق طبقة من المسؤولين والضباط والإطارات السامين ورجال الأعمال.

وقد أثبت التاريخ أنّ أسلوب البريطانيين كان أفضل من الألمان الذين استنزفوا قواهم من خلال تحويل الجنود والإداريين للإشراف على بعض المستعمرات بشكل مباشر.

وتمكّن البريطانيون من تحويل إمبراطوريتهم إلى مثال مهم للغاية للنظام العالمي، في حين أن الألمان حطموا أنفسهم ليس فقط في مواجهة أعدائهم ولكن في المناطق التي غزوها كذلك.

ويعول الأميركيون على الجيش الذي يرتكز على العباد والعتاد والذي يعتبر قادرا على تدمير العدو قبل أن يدمر العدو القوة الأميركية المنتشرة والّتي تعد صغيرة نسبيا. وفي بعض الأحيان تعمل هذه الإستراتيجية لكنها لا يمكن أن تستمر على المدى الطويل، حيث أنّ العدو يمكن أن يمتص الإنهاك أفضل ممّا تستطيع قوة أميركية صغيرة فعله.

وتوضح ذلك في فيتنام وتعزّز في العراق وأفغانستان. فالعراق مثلا الذي يعدّ 25 مليون نسمة، أرسل إليه الأميركيون حوالي 13 ألف جنديا، وقد طغت من ثمّة نسبة الإنهاك على حسابات الأميركيين.

وتعدّ الحرب غير المباشرة هي الحل الأمثل الذي تفطنت له الولايات المتحدة بعد مغامراتها العديدة، وهناك نوعان من الحرب غير المباشرة؛ الأول هو دعم القوات المحلية التي لها مصالح موازية للمصالح الأميركية. والثاني هو الحفاظ على توازن القوى بين الدول.

ويتجلى هذا النموذج في الشرق الأوسط من خلال تحرك واشنطن بين القوى الأربع الكبرى الإقليمية -إيران والسعودية وإسرائيل وتركيا– من خلال دعم واحدة ثمّ أخرى في إطار عملية توازن دائم. وفي العراق، يشنّ الأميركيون غارات جوية بالتوازي مع تدخل الإيرانيين برا. وفي اليمن، تؤيد أميركا الغارات الجوية السعودية ضدّ الحوثيين، الذين تلقوا تدريبا إيرانيا.

سياسة إعلاء المصالح الضيقة من شأنها أن تعود على واشنطن بانعكاسات سلبية حادة تفقد على إثرها ثقة حلفائها

وهذا هو جوهر الإمبراطورية الأميركية، التي تسير وفق مقولة “لا أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين، إنما مصالح دائمة فحسب”، وهو جوهر يقوم على سياسة إعلاء المصالح الضيقة، التي تعدّ حبلا قصيرا للنجاة، ومن شأنه أن يعود عليها بانعكاسات سلبية حادة تفقد على إثرها ثقة حلفائها، وهو ما بدا واضحا من خلال الموقف العربي، الذي لم يعد يثق في السياسات الأميركية، خاصة بعد مضي إدارة أوباما في اتفاق نووي مع إيران التي لا تخفي عداءها للعرب.

ينظر إلى واشنطن الآن على أنها تسعى لإعادة توازن إستراتيجيتها، من خلال التعلم من أخطاء الماضي، حيث أنّه لا يمكن لقوة عالمية المشاركة مباشرة في عدد من الصراعات في مختلف أنحاء العالم، لأنّ ذلك سوف يستنفد قوتها بسرعة.

لذلك على الولايات المتحدة الأميركية أن تخلق توازنات إقليمية ودولية جديدة، وهي تدعي في سياق تحقيق ذلك أنها تعمل على ذلك دون اغتصاب السيادة الداخلية للبلدان، لكن تتمثل هذه الخدعة في خلق حالات تسعى دول أخرى للتدخل فيها لخدمة مصلحة الولايات المتحدة الأميركية.

ويعتبر هذا المسعى أمرا صائبا من المنظور الأميركي، ويرتكز على عدد من الخطوات؛ أوّلها في استخدام الحوافز الاقتصادية لتشكيل سلوك الدول الأخرى، ليس من جانب وزارة التجارة الأميركية ولكن باستعمال شركات أخرى، وثانيها يتعلق بتقديم المساعدات الاقتصادية للدول المتردّدة، في حين أنّ الخطوة الثالثة تتمثل في تقديم المساعدات العسكرية، والرابعة إرسال مستشارين، أمّا الخامسة فهي إرسال قوة ساحقة.

ويعدّ المرور من الخطوة الرابعة إلى الخامسة الأصعب في إدارة هذه العملية، خاصّة أنّ الأميركيين تعلموا من تجاربهم السابقة أنّه تقريبا لا يجب اللجوء أبدا إلى استخدام القوة الساحقة، ولكن عندما يعجز المستشارون ولا تفضي المساعدات إلى حل مشكلة مستعجلة، لا يبقى هنالك من خيار غير اللجوء إلى القوة الساحقة.

وعلى الرغم من أن هذا التوجه ربما يخدم مصالح الولايات المتحدة الأميركية ظرفيا، وفق دراسة مركز ستراتفور، إلاّ أنه لا يعبّر عن مسؤولية حقيقية تجاه قضايا العالم من قبل إمبراطورية عظمى.

وبغض النظر عن كون الولايات المتحدة لا تنوي حقا أن تكون إمبراطورية، أم أنها تنوي ذلك، فإنّ الظرف والتاريخ والمشهد الجيوسياسي قد خلقت مع بعضها البعض كيانا ونفوذا أميركيا كبيرا، إذا لم يكن إمبراطورية فهو يبدو مثل الإمبراطورية، وهو مسؤول بالضرورة على إعادة التوازن إلى النظام العالمي.

6