الولايات المتحدة تفشل في توظيف قضية مقتل خاشقجي

الضغوط لم تضعف مكانة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وقصور تكهنات الإدارة الأميركية يربك تركيا وقطر.
الجمعة 2018/11/09
توظيف فاشل لقضية خاشقجي
 

رغم نفي الرئيس الأميركي دونالد ترامب توظيف قضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي لإحراج السلطات السعودية على شاكلة ما يفعله الرئيس التركي رجب طيبّ أردوغان، إلا أن كل الخطوات الأميركية المتخذة عقب الحادثة تشير بقوة إلى وضع واشنطن العديد من الملفات والقضايا استغلالا لرياح الأزمة خاصة في ما يتعلق بالأزمة اليمنية أو محاولات الضغط على المملكة لإعادة العلاقات مع قطر.ويرجع العديد من المراقبين فشل الضغوط الأميركية إلى قصور أجهزتها خاصة في وكالات الاستخبارات المركزية أو من يسمون أنفسهم بخبراء العرب في تقدير المسائل خاصة عندما يتعلق الأمر ببعض الحلفاء كالسعودية.

واشنطن - مثلت حادثة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في تركيا، فرصة سانحة لبعض الأطراف الدولية وعلى رأسها واشنطن وأنقرة لتوظيف الأزمة ومحاولة الضغط على السعودية في بعض القضايا الكبرى ومنها خاصة ما يتعلق بمستقبل العلاقات السعودية القطرية أو الدفع نحو تقليص جهود التحالف العربي في الأزمة اليمنية، الذي يسعى لحماية اليمن والخليج من تهديدات ميليشيات الحوثي الذي ينفذ أجندة إيران التخريبية في المنطقة.

وتعتقد الإدارة الأميركية أنها تمتلك أذرعا وأشخاصا في وزارة الخارجية وفي وكالة الاستخبارات المركزية ممن يفهمون جيد العالم العربي، حتى أن البعض منهم يطلقون على أنفسهم اسم “خبراء العرب”.

تقديرات خاطئة

هؤلاء الخبراء هم نفس الأشخاص الذين لم يظنوا أبدا أن صدام حسين سيغزو الكويت. كما فشلوا في توقّع حدوث ثورات “الربيع العربي” وآثارها المدمرة، وهم الآن يسيئون تقدير الدرجة التي يمكنهم من خلالها التأثير على مسار الأحداث في السعودية.

ووفقا لصحيفة نيويورك تايمز، وقعت حكومة الولايات المتحدة تحت الانطباع بأن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، قد يكون عرضة للضغط في أعقاب الفوضى الناجمة عن اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

ووفقا لنفس الصحيفة، أدى ذلك إلى الوضع في الاعتبار إمكانية “الضغط على ولي العهد السعودي لاتخاذ خطوات لإنهاء مقاطعة السعودية لقطر أو إرباك دور التحالف العربي في اليمن”.

وقد دعا وزير الدفاع الأميركي، جيم ماتيس، ووزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، إلى وقف إطلاق النار في اليمن “كجزء من هذه الخطة”.

وتذكر نيويورك تايمز أنه كان هناك البعض في واشنطن ممن يعبثون بفكرة دفع السعوديين لتخفيف قوة نظام ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، من خلال مشاركته بعض من سلطته مع آخرين من أفراد العائلة المالكة ومواقع عليا حديثة الإنشاء في الحكومة، كمحاولة لاستهداف رؤيته الإصلاحية للمملكة التي دعا إليها وإلى تشويه صورة السعودية الجديدة التي يريدها والتي تنأى بنفسها عن التطرف الإسلامي.

لكن على عكس ما هو معتاد، يبدو أن الأمور تسير في الاتجاه المعاكس: فعلى الرغم من مساع الإدارة الأميركية تقليص دور التحالف العربي في اليمن، إلا أن وصول قوات المقاومة المشتركة المدعومة من التحالف العربي إلى مرحلة حاسمة في عملية تحرير الحديدة من الميليشيات الحوثية، يربك واشنطن.

كان الهدف من التجييش الإعلامي التركي منذ اختفاء خاشقجي هو توجيه اللوم إلى ولي العهد السعودي. لكنه لفت النظر أيضا إلى نفاق اهتمام أنقرة المفاجئ بمصالح الصحافيين

كما أنه لا يوجد هناك ما يشير إلى أن ضغط العقوبات ضدّ قطر يتراجع، بل على العكس يبدو الأمر مستبعدا؛ وبدلا من ذلك يبدو أن أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في وضع مرتبك بسبب المأزق الدولي التي تعاني منه الدوحة نتيجة خياراتها في دعم الأجندة الإيرانية القائمة على الفوضى وزعزعة استقرار المنطقة.

وكان من ضمن أحد الأسباب الرئيسية لفشل الولايات المتحدة في الضغط على السعودية لفرض سياسات إقليمية جديدة هو أنه على النقيض من التوقعات السابقة، لم تضعف مكانة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

وعلى الرغم من الضجة الدولية التي حدثت في أعقاب حادثة مقتل خاشقجي، لا يزال ولي العهد السعودي في مركز قوة. ولم يسقط الملك سلمان شرعية ابنه البالغ من العمر 33 عاما، والأخير بدلا من ذلك يوطد مكانته في السلطة بشكل تدريجي.

وكتب مركز ستراتفور للاستخبارات الجيوسياسية، في وقت سابق من هذا الشهر، أن “التكهنات بأن العائلة المالكة السعودية يمكن أن تغير خطة الخلافة الحالية لا أساس لها من الصحة”.

وكان العامل الآخر هو التأثير الذي أحدثته الجماعات الأميركية وجماعات الضغط على المصالح الخاصة في المملكة العربية السعودية. تشمل الشركات المصنعة للأسلحة الأميركية ولكن حتى الشركات الكبرى الأخرى التي تمكنت من حماية محور واشنطن-الرياض من تداعيات قضية خاشقجي حفاظا على مصالحها الاقتصادية ولوعيها بوزن الرياض الاقتصادي.

فشل حملة التشويه التركية

تعتبر هذه الأخبار سيئة بالفعل في نظر الأتراك الذين راهنوا على استخدام تداعيات مقتل خاشقجي لمضايقة الأمير محمد بن سلمان، وأن يكونوا بالتالي قادرين على منع ما يرون أنه كابوس للعيش مع ولي العهد السعودي الشاب على مدى العقود الخمسة القادمة أو ما شابه.

وكان الهدف من التجييش الإعلامي التركي منذ اختفاء خاشقجي هو توجيه اللوم إلى ولي العهد السعودي. لكنه لفت النظر أيضا إلى نفاق اهتمام أنقرة المفاجئ بمصالح الصحافيين. وتظهر مرونة المحور السعودي الأميركي على الرغم من كارثة خاشقجي أن بعض التحالفات القائمة على المصالح في المنطقة لا تتعرض للضغط السياسي وتبقى صامدة. كما أنه بمثابة كلمة تحذيرية ضدّ التفكير الحالم الذي يدفع الكثيرين في قاعات السلطة في واشنطن، ولا سيما خبراء الولايات المتحدة في المنطقة العربية.

ولذلك تلاشت كل آمال إعادة هندسة الشرق الأوسط بعد ثورات الربيع العربي بسبب تردّد المنطقة المتأصل في تقديم أعرافها الحالية وفقا لوتيرة وشكل ما تريده واشنطن. وهذا أمر لا تستطيع الولايات المتحدة ولا بقية الغرب فعل أي شيء حياله. حيث يتحرك العالم العربي بخطى متسارعة، ولن يحل أي قدر من “الدفع″ حتى هذه المشكلة.

 وما يمكن استنتاجه أن اعتقاد الولايات المتحدة أنها تعلم جيدا كيف يعمل “العقل العربي” كان جزءاً من الأسباب الذي جعلت واشنطن تسقط على وجهها عندما تتعامل مع قضايا المنطقة.

6