الولايات المتحدة: من سفر التكوين إلى سفر الخروج..

الأحد 2014/05/11

في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وفي عام 1831 تحديدا، قام القاضي الفرنسي “ألكسيس دو توكفيل” بزيارة إلى أميركا، أو “أرض الميعاد” وأنهار اللبن والعسل وعناقيد العنب لكثير من الأوروبيين آنذاك، وحيث فرصة البدء من جديد على أرض منحها الرب لشعبه المختار الجديد، كما عبر عن ذلك الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة، إبراهام لينكولن (1809-1865)، والرئيس الأعظم في التاريخ الأميركي.

كانت زيارة القاضي بقصد الاطلاع على الإصلاحات التي أدخلتها الدولة الجديدة على أنظمة السجون، والاستفادة منها في إصلاح نظام السجون الفرنسي القديم. قضى توكفيل في أميركا عشرة أشهر، خرج منها بكتابه الشهير: “الديموقراطية في أميركا”، الذي تحدث فيه عن واقع الدولة- الأمة الجديدة، بما تجاوز قضية السجون وإصلاحها في فرنسا والقارة العجوز. كانت الفردية وقيم المساواة والعمل التطوعي الحر، هي الفكرة المحورية التي أعجبت توكفيل في أميركا، فلا نبالة متوارثة، ولا دماء زرقاء، ولا إكليروس ورجال دين محتكرين لكلمة الرب ومعناها، ولا إقطاع أو مال محتكرا من فئة أو طبقة محدودة، كما هو الحال في العالم القديم، يحد من نشاط الفرد وسعيه نحو تحقيق ذاته. الفرد، بغض النظر عن أصله أو فصله، هو المركز الذي تدور حوله الحقوق، ومن خلاله تتحدد الواجبات، وليس الطبقة الموروثة، أو النبالة المتوارثة، فقد كانت أميركا، أو لنقل ” فكرة أميركا “، تقوم على أساس “هنا والآن”، وليس “كان وبات”.

صحيح أن أميركا في ذلك الوقت كانت تمارس الرق، كما بقية العالم، وهو الأمر الذي انتهى بنهاية الحرب الأهلية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر (1861 - 1865)، ولكن بقي الفرق هو أن أميركا قامت على فكرة المساواة، وحق الفرد في البحث عن السعادة التي يراها ملائمة له، كما نُص على ذلك في إعلان الاستقلال (4 يوليو/ تموز، 1776)، الذي أكد على أن البشر يولدون متساوين، وأن لكل البشر الحق في الحياة والحرية والسعي نحو السعادة، وهي حقوق فطرية غير قابلة للمساومة. من هذه الفكرة، كانت أميركا مجالا مفتوحا لكل تطور ممكن، ومن هنا رأى توكفيل أنها تشكل وعدا لمستقبل إنساني أفضل. في ذات الوقت، كانت أوروبا لا تزال تعيش مرحلة الصراع بين القديم والجديد، بين “العصامية” و”العظامية”، رغم أن الثورة الديموقراطية”، كما أسماها توكفيل، كانت تجتاح أوروبا آنذاك.


ديمقراطية المبادئ


بهذه الديموقراطية، بل لنقل بمبادئ المساواة والحرية والمبادرة الفردية الحرة سعيا وراء السعادة، مضافا إليها الروح الأميركية الجديدة المتحفزة، مدعومة برأسمالية ذات مجال مفتوح، شقت أميركا طريقها في العالم المعاصر، ووصلت إلى مراتب السيادة العالمية. بطبيعة الحال فإن للموارد الهائلة في العالم الجديد دورها في الصعود الأميركي نحو القمة، ولكن الموارد بحد ذاتها لا قيمة لها، إن لم ترافقها قيم سامية وحيّة، ومن أهمها الحرية، وثقافة تعرف كيف تتعامل مع هذه الموارد، وفرد متحفز يُمارس هذه الثقافة واقعا لا وهما، وإلا فإن أمم أفريقيا وأميركا اللاتينية وعالم العرب مثلا أكثر ثراء وموارد من كثير من الأمم، ولكنها تبقى مجرد “مواد بناء خام” لا قيمة لها في ذاتها، إن لم يقف وراءها عقل قادر على تشكيلها وبناء بيت منها، ودعك من خرافات الاستعمار والامبريالية والمؤامرة وكافة مشاجب تبرير التخلف في “العالم الثالث”.

نشأت دول كثيرة، وانهارت مجتمعات كثيرة، نشأت ونمت في ذات الفترة التي نشأت فيها أميركا ونمت، ولكن أميركا لم تسقط لسبب بسيط هو أنها كانت تتمتع بمرونة اجتماعية وسياسية وثقافية، سمحت لها باحتواء كل المشكلات التي عصفت بدول ومجتمعات أخرى، حيث أن من كانوا أرقّاء ومنبوذين في الماضي، أصبحوا قادرين على الوصول إلى قلب البيت الأبيض اليوم. هذه المرونة منبثقة عن المبدأ الأساسي الذي تحدث عنه توكفيل، أي مبدأ المساواة الاجتماعية ابتداء وسيادة القانون وحرية الفرد: أي البنية الأساسية للديموقراطية. بطبيعة الحال لم تكن أميركا مجتمعا كاملا، وليس لها أن تكون، فكل المشكلات التي تعاني منها الدول والمجتمعات موجودة فيها، وربما بشكل أكبر من غيرها في فترات معينة، ولكن المرونة التي قام عليها ذلك المجتمع جعلته أكثر قدرة على استيعاب وامتصاص تلك المشكلات من غيره، وهنا يكمن الفرق. وحتى بعد أن أصبحت أميركا دولة عظمى، أو دولة “شرهة” تسعى إلى التوسع عالميا بعد أن استهلكت تخومها داخليا، فالشراهة هي روح الرأسمالية على أية حال، بقيت الديموقراطية ومبادئ المساواة التي تحدث عنها توكفيل، هي أساس شرعية السلوك الأميركي في الداخل والخارج على السواء، حتى حين يكون الفعل مناقضا لتلك الشرعية، حين تحولت المبادئ التي قال بها “الآباء المؤسسون” إلى مجرد غطاء إيديولوجي لسلوك مناقض لها تماما، وفتش عن الرأسمالية غير المروضة في هذا المجال.

فرغم كل التغيرات والتطورات والتحولات التي مرت وتمر بالمجتمع والدولة في أميركا، منذ لحظة استقلال المستعمرات الثلاث عشرة عام 1776، وحتى اكتمال “العقد الرسمي” للدولة بانضمام ألاسكا وهاواي عام 1959، إلا أن هنالك أمرين جوهريين يميّزان الدولة والمجتمع الأميركيين عن الكثير من مجتمعات وأمم ودول العالم المعاصر.

الأمر الأول يتعلق بطبيعة الدولة الأميركية في علاقتها مع بقية العالم منذ البداية، ألا وهو أن هذه الدولة تنظر إلى نفسها على أنها في حالة تكوّن مستمر. فقد تكونت الدولة الأميركية من ثلاث عشرة مستعمرة اتحدت فيما بينها لتكون الولايات المتحدة الأميركية، ولكن حدود هذه الدولة بقيت خاضعة لمفهوم “التخوم” وقابلية التوسع والامتداد نتيجة انضمام وحدات أخرى إليها. أما حدودها الحقيقية فهي العالم بأسره، وهذا راجع إلى الروح الرأسمالية المتجسدة في الكيان الأميركي من ناحية، وإلى الإحساس الدفين بالمهمة “الرّسالية” التي تحملها أميركا إلى العالم، والتي ترجع إلى البدايات الأولى للهجرة إلى أميركا، وتكوين مستعمرات تقتفي أثر الكتاب المقدس. فالولايات المتحدة عبارة عن “مشروع″ هو مزيج من رأسمالية متحفزة، وإحساس دفين بمهمة دينية مرعية بعين الرب بصفة الأميركيين هم “شعب الله المختار” في العصر الحديث، وكل ذلك مؤطر بالقيم التي حددها الآباء المؤسسون في لحظة الميلاد، وذلك مثلها مثل الاتحاد السوفيتي السابق إلى حد ما، الذي سقطت أمميّته الشيوعية في مقابل العولمة الرأسمالية الأميركية: مشروعات تجسدت في دول ذات أبعاد أممية.


البوتقة الأميركية


التاريخ الأميركي يبين أن هذه الدولة توسعت وفق ما تسمح به التخوم المفتوحة، حتى استطاعت أن تصل ما بين ضفتي الأطلسي والباسيفيكي، وعلى حساب كيانات الجوار في مناسبات أخرى، حيث أن عددا من أهم الولايات الأميركية الحالية كانت أملاكا مكسيكية قبل أن تضمها الولايات المتحدة بالقوة، ناهيك عن السكان الأصليين من “الهنود الحمر” الذين كانوا الضحية الأولى للروح الأميركية المتوثبة، والرأسمالية الشابة المتحفزة، والعاطفة الدينية المشبوبة. وحتى بعد توقف عمليات “الفتح” و”الضم” ونحوها، بقيت الولايات المتحدة دولة مفتوحة الحدود تقريبا، “بثغور” تناثرت في كل العالم، بعد أن كانت حصونا تشرف على التخوم. بمعنى آخر، فإن الدولة الأميركية لا زالت، حتى بعد أن أصبحت القوة الأوحد في عالم ما بعد سقوط الكتلة الشرقية، دولة غير مكتملة المعالم، ولا نهائية الحدود.

مثل هذا الأمر يقودنا إلى أمر آخر، وهو الأمر المتعلق بذات المجتمع الأميركي، من حيث أنه الأساس الذي يقوم عليه الأمر الأول. فمن المعلوم أن “الأمة الأميركية” ليست أمة أصيلة، من حيث أنها غير نابعة من الأرض التي تعيش عليها، بل هي مزيج من شعوب متعددة انصهرت فيما يسمى “البوتقة الأميركية”، فاكتسبت تلك الصفات التي تميز الثقافة الأميركية والسلوك الأميركي، والتي جعلت منها في النهاية أمة دون الناس جميعا. ولكن رغم أن مزيج الشعوب الذي يشكل الأمة الأميركية أصبح يتصف بصفات مشتركة جعلته أمّة تختلف عن تلك الأمم والشعوب الداخلة في تكوينها، إلا أن الصفات والثقافات المختلفة لتلك الأمم والشعوب بقيت قائمة في داخل تلك البوتقة الانصهارية الكبرى، بما يشكل ما يسمى بالثقافات الفرعية داخل تيار الثقافة الأميركية العامة التي تشمل الجميع بردائها، وهو الأمر الذي لم ينجح كيان مثل الاتحاد السوفيتي أو الاتحاد اليوغسلافي في تحقيقه في محاولته لإنشاء “أمة سوفيتية” أو “أمة سلافية” تتجاوز القوميات، ومن مزيج من الشعوب أيضا.

الفرق بين هذه الكيانات هو أن المزيج الأميركي كان مزيجا اختياريا يتفاعل من الأسفل الاجتماعي، بينما كان مقابله السوفيتي مثلا إجباريا يُراد له التفاعل من الأعلى السياسي. دائما، وفي كل مجتمع قديم أو حديث، هنالك ثقافة عامة وثقافات فرعية تقوم على أساس المنطقة أو الطائفة أو الطبقة أو الفئة أو غير ذلك، ولكن ما يميز الولايات المتحدة عن غيرها هو أنه بالإضافة إلى هذه المصادر المشتركة للثقافات الفرعية في دول العالم، تأتي الثقافة القومية كمصدر جامع شامل، وبإرادة حرة، قد لا تجده إلا في أميركا بشكل كبير، من حيث أن الاختلاف الثقافي الفرعي معترف به في الحالة الأميركية، وحر التفاعل مع بقية الثقافات، والثقافة الأميركية الشاملة، على عكس الوضع في الحالة السوفيتية مثلا، ومجتمعات أخرى شبيهة. هذا الواقع يجعل من المجتمع الأميركي مجتمعا مفتوحا، غير كامل التكوين مهما بدا أنه اكتمل، وكذلك الأمة الأميركية من حيث كونها أمّة غير مكتملة التكوين، بل وقابلة للتمدد والاتساع، وليس بالضرورة أن يكون ذلك سياسيا، كما كان الأمر أيام “التوسع غربا”.


آليات الدولة الأميركية


إذا أخذنا هذه العوامل في الاعتبار حين الحديث عن أميركا، نستطيع القول إن الولايات المتحدة الأميركية هي دولة ـ أمّة من ناحية، وإمبراطورية كوزموبوليتانية في كثير من جوانبها في ذات الوقت. فهي إمبراطورية كوزموبوليتانية من حيث أنها دولة ومجتمع متعدد الأعراق ومنفتح الحدود، وفقا لمفهوم التخوم، وهي دولة ـ أمة، من حيث أنه، وعلى النقيض من الوضع الذي كان سائدا في الإمبراطوريات التقليدية، نجحت في خلق أمة مميزة من أمم وشعوب مختلفة.

إن الاتفاق على القول بمقولة التخوم المفتوحة، والأمة “المفتوحة ” في أميركا، يجعلنا في تقديري أكثر قدرة على فهم تلك الآليات التي تحرك الدولة الأميركية، وخاصة في أيامنا المعاشة. وسواء كنا نتحدث عن تلك النية الأميركية في إعادة رسم الخرائط السياسية أو إعادة تشكيل النظم السياسية في مختلف أنحاء عالم اليوم، أو “الفوضى الخلاقة”، وهو ما كان واضحا كل الوضوح أيام إدارة جورج دبليو بوش والغطرسة السياسية الجامحة، فإن فهم هذه “الحقيقة” يساعد كثيرا على تحديد مسار التحليل. فممّا يبدو من تطورات العالم منذ سقوط حائط برلين في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، وحتى أحداث سبتمبر في بدايات القرن الحادي والعشرين وتبعاته، من غزو أميركي مسلح هنا وهناك، يتضح أن أميركا تريد أن تبني عالما على شاكلتها. أن تنجح في ذلك أو لا تنجح ليس هو محل السؤال هنا، فذاك خاضع لمتغيرات تاريخ المستقبل، بقدر ما أن المهم هو فهم السلوك الأميركي وغاياته بصفة عامة.

فذات الآليات التي كانت تحكم تطور الدولة والمجتمع في أميركا خلال سنوات الخلق والتكوين الأولى، هي ذاتها تقريبا التي تحكم سلوك الولايات المتحدة اليوم في تعاملها مع بقية العالم، بعد أن أصبح العالم كله إقليما مفتوح التخوم، وفق التصور الأميركي، كما كان الأمر مع أميركا قبل أن تنتهي مرحلة التمدد في بدايات “سفر الخروج” الأميركي، وخاضعا ربما لسيناريوهات شبيهة بما حدث فعلا في التاريخ الأميركي في خطوطه العامة، مع اختلاف في تفصيلات لا تمس الجوهر في غالب الأحوال. فالولايات المتحدة ولدت وفي جيناتها التحول إلى إمبراطورية عالمية، بأقاليم متعددة وتابعة للمركز الإمبراطوري، وليس من الضروري أن يكون الجميع منخرطين في كيان سياسي رسمي واحد، كما هو الحال في الإمبراطوريات التقليدية.

فالعولمة المعاصرة وآلياتها، والتي هي ظاهرة أميركية “الأصل والمولد والنشأة” في شكلها الأخير، تساعد على تكوّن هذا النوع من الإمبراطوريات، حتى وإن لم يكن الشكل الإمبراطوري القديم هو السائد. وإذا كان البعض يعتقد أن الولايات المتحدة هي اليوم على شفا الانهيار، فأنا أعتقد العكس من ذلك، أي أن الولايات المتحدة لم تبلغ أوج نموها بعد، حين قراءتها كمشروع لم يكتمل بعد، وإن كانت قد تراجعت كثيرا، من الناحية السياسية والنفوذ الدولي خلال إدارة باراك أوباما، الذي يدفع الفاتورة الحقيقية لمغامرات اليمين التوراتي الأميركي غير المحسوبة بدقة.

وفق هذا الإطار النظري، يمكن تحليل السياسة الخارجية الأميركية الحالية، من حيث أنها فترة مراجعة ومحاولة إعادة قراءة تطورات العالم قبل العودة من جديد، بعين أكثر قدرة على استشراف المستقبل، دون الغرق في تفصيلات قد تكون مهمة في ذاتها، ولكنها لا تعني شيئا دون أن تتخذ موقعها ضمن الصورة العامة. فأميركا متراجعة سياسيا واستراتيجيا في ظل الإدارة الحالية لا شك في ذلك، ولكن هذا لا يعني أن “الكيان” الأميركي في طور الانهيار، كما قد يتمنى البعض وفق خيال “رغبوي”، فمجرد تحول العالم إلى قرية كونية صغيرة بفعل العولمة بكافة أشكالها، وثورة الاتصالات الحديثة، إن هو إلا “أمركة” لكل العالم الذي تحول سلوكيا إلى صورة أكبر لأسلوب الحياة الأميركي، والفلسفة البراغماتية الأميركية التي يمكن إيجازها بعبارة: الأسرع، الأسهل، الأنجع.. هذا، وما نحن في الخاتمة إلا ممثلون على خشبة مسرح تقع بين أول سرمدي، وآخر خفي، أمرهما بيد صاحب الأمر في البداية والنهاية.

6