الولايات المتحدة وإيران.. مناصفة الديمقراطية في العراق

تجربة الخلافات في انتخابات التجديد النصفي في البيت الأميركي، لن تصل إلى مرحلة الانتقام في تجارب ديمقراطية العالم الثالث، وتحديدا الديمقراطية في العراق التي تتصدر نماذج الانقسام بعد الاحتلال.
السبت 2018/11/10
هؤلاء في عالم آخر

اهتمام على مقياس التشويق في عرض واجهات انتخابات التجديد النصفي الأميركية بقراءة البيانات وإحصاءات نسب توزيع المقاعد في مجلس الشيوخ ومجلس النواب بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي؛ لكن تلك الواجهات اندفعت إلى الخلف مقارنة بملامح الخلافات بين الحزبين التي سبقت إعلان النتائج وفوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلس النواب، وتمدد الجمهوريين في مجلس الشيوخ الذي صنفه الرئيس دونالد ترامب بالأعلى منذ إدارة الرئيس الراحل جون كينيدي في بداية ستينات القرن الماضي.

عادة لا يحظى حزب الرئيس في انتخابات التجديد النصفي بتفوق واضح في مجلس الشيوخ، عدا عن استثناءات خمسة في تاريخ الرؤساء منذ الآباء المؤسسين للولايات المتحدة؛ والرئيس دونالد ترامب لا يتردد في التذكير بحقائق إحصائية من هذا النوع كرد فعل واضح لا يحاول أن يخفيه تجاه استرجاع الديمقراطيين لصوتهم الأعلى المقابل في مجلس النواب.

الخلافات وتصعيدها، تبدو ضمن السياق العام لأي انتخابات تجديد نصفي أو أي انتخابات رئاسية، إلا أن أميركا دونالد ترامب مختلفة ليست قليلا عن أميركا الإدارات السابقة؛ إذ أن فوز الرئيس دونالد ترامب غير المتوقع بالنسبة للأكثرية من الناخبين الذين وضعوا نصب أعينهم فوز المرشحة عن الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون كحتمية انتصار ساحق ومدو، ثم وجدوا أنفسهم في حالة مترنحة أدت إلى السقوط في نوبة اكتئاب وحزن ومظاهر عنف لم تتوقف عند حدود دهشة الناخبين الديمقراطيين، بل تعدى إلى هيستيريا تصريحات ومواقف غير مسؤولة لمسؤولين سابقين كان من بينهم وزير الخارجية الأسبق جون كيري، وبما كشفت عنه مصادر الإعلام مؤخرا من خروقات نسبت له في عقد لقاءات مع الجانب الإيراني تتعلق بمحاولات للتأثير في القرار السياسي الأميركي لتأخير العقوبات أو تخفيفها وعرقلتها.

مؤشرات على استمرار صراع لم يهدأ للإطاحة بالرئيس قبل موعد الانتخابات وإكمال الفترة الرئاسية، تحت مبررات الجدل حول التدخلات الروسية في تقرير مصير الانتخابات والتي نفاها الرئيس ترامب مرارا، وأعادها بعد إعلان نتائج انتخابات التجديد النصفي ومعرفته بفوز الديمقراطيين بأكثرية المقاعد في مجلس النواب متجاوزين الـ218 مقعدا من أصل 435 هي مجموع مقاعد مجلس النواب. كانت إجابته دائما بعدم علاقة الروس بنتائج الانتخابات متكئا، هذه المرة، على الفوز بمقاعد مجلس الشيوخ وسيطرة الجمهوريين على أغلب مقاعد حكام الولايات.

الديمقراطية في العراق مهما أريد لها من توافقات سياسية إلا أنها واقعيا لن تبني دولة أو حتى برنامجا لبناء دولة، أما الخلافات التي نصف بها الانتخابات الأميركية فلا صلة لها تماما ولو من بعيد بخلافات عملية سياسية من صنيعة المحتل الأميركي ذاته

رغم الانقسام الصريح والمعلن والبارز بين أعضاء الحزبين الجمهوري والديمقراطي وأيضا بين مؤيديهم من ناخبين ومصوتين وصامتين، أو في الإعلام الذي يميل بوضوح إلى الديمقراطيين، خاصة بعد سنتين تقريباً من حكم الرئيس ترامب وتغريداته بأفكار وسياسات وقرارات بمزاج على طريقته وأسلوبه في التلويح بتحريك أزمة أو إلقاء صنارة ما في بحر من عواصف الصفقات التجارية والضريبية بين أميركا وبين حتى حلفائها، إلا أن الاختلاف يمكن ترويضه في نقاط التقاء كثيرة بين توجهات المجلسين والحزبين، إذا أدركنا التوازنات العددية في المهمات والمصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الممكن تمريرها بالضغط أو بالحوار مع معارضة أحيانا ستكون متشددة وتتجه إلى أقصى اليسار في مناهضة توجهات الرئيس وسياساته. لكن الأمر يتعلق بمرجعية نظام يشكل في النهاية واحدا من أبرز النظم الديمقراطية في العالم، وبأي حال من الأحوال لن يكون الاختلاف على “مرجعية” غير المرجعية السياسية للدولة العظمى.

تجربة الخلافات في انتخابات التجديد النصفي أو في البيت الأميركي، بالفيل والحمار، لن تصل إلى مرحلة الانتقام في تجارب ديمقراطية العالم الثالث، وتحديدا الديمقراطية في العراق التي تتصدر نماذج الانقسام بعد الاحتلال الأميركي والاحتلال الإيراني.

فالديمقراطية والانتخابات وإن كانت، وهذا المفروض، على مقاسات الإدارة والإرادة الأميركيتين، إلا أنها خُتمت منذ اليوم الأول بمرجعية ولاءات لرموز دينية مذهبية ولعقيدة مشروع بنظام إيراني ليس بإمكانه قطعا مداراة رغبته في الانتقام من الملايين لاختلافهم التاريخي المذهبي معه، إضافة إلى رغبته في الانتقام من جميع العراقيين لتوابع حرب طويلة مع ذات النظام انتهت بتركيعه وهزيمته.

بمعنى أن الديمقراطية في العراق مهما أريد لها من توافقات سياسية أملتها ظروف مأساوية يُعتقد أو يظنّ أنها تقدمت بشوط التجربة الديمقراطية على حساب المحاصصة السياسية والطائفية، إلا أنها واقعيا لن تبني دولة أو حتى برنامجا لبناء دولة، أما الخلافات التي نصف بها الانتخابات الأميركية فلا صلة لها تماما ولو من بعيد بخلافات عملية سياسية من صنيعة المحتل الأميركي ذاته.

لكن المفارقة في تقييمات نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية على منوال المحللين في إعلام المشروع الإيراني المتمدد في أكثر من دولة، تصور لنا ما جرى في الولايات المتحدة، على أنه انتصار لإيران ومحورها في مجلس النواب الأميركي، وذهب بعض قادة الحرس الثوري وأذرعهم في المنطقة إلى الحديث عن مأزق تورطت فيه الولايات المتحدة بفرض العقوبات على إيران.

الحزب الجمهوري والديمقراطي وفوز أحدهما وخسارة الآخر، وبخلافاتهم التي لا ترقى إلى التفريط بالأمن القومي أو سلامة الاقتصاد أو أمن المواطنين أو النيل من دور وصلابة المؤسسات الديمقراطية أو مؤسسات الجيش الأميركي، تظل ضمن سقف الخلافات السياسية تحت جناحي مجلس الشيوخ ومجلس النواب ومتابعة ماكنة إعلامية على أهميتها لن تؤدي أبدا دور الميليشيات وسلاحها “المنضبط”.

السلاح المنضبط في العراق وجد ضالته في الانتخابات، بعد أن وجد ضالته في الموت والدم والتدمير ثم حماية الدولة وقانون مصادق عليه في برلمان أغلب أعضائه لا يمثلون يسار أو يمين السياسة أو حتى أقصى اليمين أو اليسار، بل إن غالبيتهم صورة طبق الأصل لسلاحهم المنفلت ونوعيته وتعداده خارج البرلمان بما يحظى به من صلاحيات مازال يراد لها المزيد من الدعم بمناصب وزارية سيادية؛ والمظلة أبدا هي الديمقراطية ومن يدافع عنها بمبررات من قبيل أن الاختلاف لا يفسد للود قضية، وما يتبع من استشهاد بالاختلاف بين أكبر حزبين في دولة عظمى.

عندما نتحدث عن الديمقراطيات الصرفة في العالم المتمدن، يصفعنا هاجس المحاصصة أيضا، فأينما نولي وجوهنا ثمة عار من الاحتلال الأميركي والإيراني يطاردنا ويمنعنا من الاستسلام لشروط مرجعية دينية أو مذهبية طائفية أو مرجعيات ميليشياوية تمادت في سلاحها الطموح للاستيلاء على وزارة يرتبط اسمها بالثقافة، أو مرجعيات سياسية لأحزاب أقصى منجزاتها وفخرها أنها حملت السلاح ضد أبناء جلدتها إيمانا منها بأن عقيدتها الطائفية ونظام الملالي يتقدمان على مصير المواطن، والوطن الذي كان.

8